حاء
شعر: أديب كمال الدين
المؤسسة العربية للدراسات والنشر – عمان- بيروت 2002

قصائد (حاء)
(اركعْ) فركعت
خسارات
زمن أرعن
وحشة الرأس
ملك الحروف
ملل
صورة الولد في ورق اللعب
دمعة مضيئة
كلمات
جيم شين
كيس الحروف
حاء
سرقة
تباً لك!
مائدة الغرباء
مشهد
غزل حروفي
برقيات سعيدة جداً
العازف
جيم سين دال
حوار مع طاغور
زلزال
النار والسندباد
غزل على طريقة فان كوخ
بانتظار أن تهبط حبيبتي
نونيات جديدة
أخطاء
ثنائية
الغراب
شكراً أيتها الموسيقى
أمجاد النقطة
دجلة
الزمن يركض.. الزمن يغرق
خرافات
حوريات الفردوس
ضحك
رسالة الحروف
الحفلة
آراء
(اركعْ) فركعت
(1)
حين نظرتُ إلى ساعتي
لم أجد فيها أياماً ولا سنوات
بل وجدتُ فيها أنهاراً من الحلمِ والموسيقى والكلمات
فحلمتُ ولعبتُ وكتبت
حتّى كدتُ أموت من الحلمِ والموسيقى والكلمات
حتّى كدتُ أموت من الغرق.
(2)
حين طردتُ الموتَ من النافذة
دخلَ من الشباك
وحين طردته من الشباك
دخلَ من النافذة
هكذا خرجتُ من الباب
لأجد الموت
يحمل سيفاً ودرعين
مسدساً وثلاث بنادق
ومدفعاً من النوع الثقيل.
(3)
حين احتضن الآباءُ أبناءهم
والعشاقُ حبيباتهم
والفجرةُ دنانيرهم
لم أجد من يحتضنني إلاّ الله
الذي قال: (اركعْ). فركعت
فانشقَّ صدري وطارَ منه طائرُ الخوف
وقال: (اسجدْ). فسجدت
على سجادتي الصغيرة الممزّقة
حتّى تحوّلتُ إلى دمعة،
بل نقطة.
(4)
من الصباح إلى المساء
ومن المساء إلى الصباح
لعب الأطفالُ بكرةِ الفرح
وثياب العيد الزاهية
أما أنا فلم أجد ما ألعب به
سوى الحروف:
حروف زاهية كعيدٍ غامضٍ عجيب.
(5)
ولكن، كيف تحوّلت الحروفُ هكذا؟
كيف تحوّلتْ حاءُ الحريةِ إلى حاءِ الحرب،
وسينُ السرّ إلى سينِ سقوطِ الأسنان،
وميم ُالمرادِ إلى ميمِ الموت؟
(6)
حين نظرتُ إلى ساعتي
لم أجد فيها أياماً ولا سنوات
بل وجدتُ فيها أنهاراً من ميماتِ الموت
وواواتِ الموت
وتاءاتِ الموت
فبكيتُ شبابي وشموخي وشروخي
وبكيتُ شكوكي.
(7)
نظرَ اللهُ إليّ وقال: (انهضْ). فنهضت
وقال: (اركعْ). فركعت
فانشقّ صدري
وطارَ منه طائرُ الموت
كغيمةِ حزنٍ زرقاء
كغيمةِ حزنٍ كبرى.
خسارات
(1)
خساراتي لم تعدْ تُحْتَمل
فأنا أخرجُ من خسارةٍ لأقع في أخرى
فأنا – على سبيلِ المثال – متّ
متّ منذ زمن طويل
وشبعتُ موتاً
وحين قررتُ أن أقوم من موتي
لابساً الأخضرَ بدل الأسود
وراكباً الغيمة بدل الدراجة الهوائية
صدمتُ بفسادِ الغيمة
وتمزّقِ ثيابها الداخلية.
(2)
خساراتي لم تعدْ تُحْتَمل
دخلتُ في النارِ واحترقتُ كما ينبغي
وحين قمتُ من رمادي
وجمعتُ رمادي
وذرّيته في دمي كي لا أموت من جديد
صدمتُ حين عرفت
انّ مَنْ ألقاني في النار:
أصدقائي الذين أعطيتهم نورَ الأخضر
وأحبّتي الذين منحتهم شمسَ الغيمة.
فارتبكتُ لأنني لم أهيىء نفسي لدور الفادي
ولم أكن أتصوّر أن دور يهوذا
سَيُعاد عرضه في كلِّ مكانٍ بنجاحٍ ساحق.
(3)
خساراتي لم تعد تُحْتَمل
صرتُ أقلّبُ أسماءَ المدن
فأجدها متشابهةً كالموت
وأقلّبُ أسماءَ الأزمنة والأمطار
والجروح والصواعق والنساء
فأرتبك
لأنّ جسدي الذي قامَ من موته عشرات المرات
وقلبي الذي قاومَ العاصفةَ والدمَ والذهب
بكيا أمامي كطفلين يتيمين
واشتكيا لي من ضياعِ الحلم
بل صرخا من ضياعِ الحلم
وخرجا كمجنونين في الشوارع
فما الذي سأفعله سوى أن أعلن:
خساراتي لم تعدْ تُحْتَمل
لم تعدْ .. لم تعدْ تُحْتَمل
ولذا سأعلنُ عن ترتيب الأنهار
لأجعلها تذهب من الجنوبِ إلى الشمال
لأخفف من آلامي،
سأعيدُ ترتيبَ الغيوم
لأجعلها تسافر بالرسائل البريدية
لأخفف من عري طفولتي،
سأعيد ترتيبَ الدموع لتكون أكثرغموضاً
حتّى أعالج حنين منائري الذهبية
فلا يلحظ بكائي أحد
ولا يشمت فيَّ أحد.
زمن أرعن
(1)
حبّكِ خطأ يتكرّر في الدقيقة ستين مرّة.
(2)
حبّكِ ساعة لا تقف لتنظر إلى الوراء
إلاّ لتدفن رأسها في الرمال.
(3)
حبّكِ ساعةُ صراخ طفل
وشاعر صعلوك
ومدينة تغرقُ في بحرِ الجوعِ والعنف.
(4)
حبّكِ عقاربُ زمنٍ أرعن.
(5)
حبّكِ ساعة تكذبُ لتصدق
وتصدق لتمارس أكاذيبها وترّهاتها.
(6)
حبّكِ أكذوبة وساعتكِ طفل لا أب له.
(7)
دمي ساعة لا بدء لها إلاّ مع عريك...
وهكذا فقد حُكِمَ على ساعتي بالتوقف الأبدي.
(8)
أيتها الفارغة...
كيف امتلأتِ بحركةِ اليد؟
أنت الساعة التي أردتُ لها
أن تسير بحلمِ الجواهر
وزقزقةِ الحروف
وبهجةِ الشعر.
(9)
أنتِ ساعة تدقّ، تدقّ، تدقّ
تك.. تك.. تك..
وتنادي راعي جسدها المتوحّش
لتسلّم له – كلّ ليلة – دقات قلبي
في فرحٍ غبي
وحيوانية كاملة.
(10)
أنتِ ساعة تتوسّل وتتسوّل.
(11)
أنتِ ساعة لا تكفّ عن الدوران
في صحراء العبث الكبرى.
(12)
حبّكِ مذبحةُ الساعاتِ الميِّتة
التي حطّمها هجومُ الزمن المفاجىء.
(13)
حبّكِ ساعةُ البرابرة
ساعة روحها الأنياب والعصي
والسكاكين البرّاقة وسط الشمس.
وحشة الرأس
(1)
في عليائي
سمعتُ صوتَ الأيام: أرامل من سواد
في شحوبي
سمعتُ صوتَ الحرسِ وهم يتناهبون
صباي وشبابي وبياض لحيتي
فارتبكتُ: أإلى هذا الحد كان النحاس
رخيصاً أمام الذهب؟
(2)
في عليائي وشحوبي
عيناي ثقيلتان فلا تبصران
فصرتُ أرى بأذني
وأبصرُ بقلبي
كانت الوحدة مطلقةً
كانت الوحدة تشبهني تماماً
أنا الأعزل الذي طُعِنَ حتّى أربكه
منظرُ الدم غزيراً كشلال
منظرُ الدم جامداً هادئاً كترنيمةِ طفل.
(3)
في عليائي وشحوبي
أنْقَلُ من حربٍ إلى حرب
ومن صحراء إلى صحراء
ومن سفينةٍ إلى سفينة
ومن ارتباكٍ إلى ارتباك
ومن نحاسٍ إلى نحاس
لكنّ الذهب يترصّدني
أصدقائي – قبل أعدائي – ينحنون أمام بريق الذهب
فيسلمونني خلسةً إلى يهوذا
ويهوذا قبل أن يفيق الجميع
من نومهم القلق
من جشعهم المرّ
يقودني إلى منفاي وَسَقَري
يقودني إلى رمحي الطويل.
)4)
ياه..
يا لرمحي الطويل
كلهم يحملون رماح النحاس
ورمحي أطولهم!
ياه..
يا لبرودة جبيني
وطمأنينة حلمي
يا لجمال طيوري
تلاحقني من عينٍ إلى عين
ومن حاءٍ إلى حاء
ياه..
كلهم يرون فلا يفقهون
كلهم يتعذّبون برماح النحاس
وهي تدخل في عيونهم التي أعماها البريق
يا لصيحاتهم..
يا لآهاتهم..
يا لخيباتهم!
(5)
في عليائي
في وحشتي وشحوبي
ورحيلي العظيم
سمعتُ صوتَ كلّ شيء
وأبصرتُ بالعينِ والأذنِ والقلبِ كلّ شيء
فسخرتُ من بريق ِالذهبِ والنحاس
من بريقِ الحرس
من بريقِ الأيام
من بريقِ الكلام.
ملك الحروف
(1)
النقطةُ فضّة
والحرفُ ليرةُ ذهب
فماأسعدني أنا ملك الحروف.
(2)
النقطة ُبسمة
والحرفُ ضحكة
فما أسعدني أنا ملك القهقهة.
(3)
النقطةُ بخور
والحرفُ رقصةُ السَّحَرة
فما أسعدني أنا ملك الجنّ
صاحب الجناح الأخضر الكبير.
(4)
النقطةُ موت
والحرفُ جريمةُ قتل
فما أسعدني أنا طاغية العصر.
(5)
النقطة ُندى
والحرفُ دمعة
فما أسعدني أنا العاشق الاعظم.
(6)
النقطةُ شعر
والحرفُ أغنية
فما أسعدني أنا صاحب الأنامل الذهبية.
(7)
النقطةُ هرطقة
والحرفُ تجديف
فما أسعدني أنا الكبريت الأحمر.
(8)
النقطةُ بلاء
والحرفُ طوفان
فما أسعدني أنا الذي رأى كلّ شيء.
(9)
النقطةُ دفّ
والحرفُ طبل
فما أسعدني أنا الغجريّ الذي يضع
الأقراط في أذنيه
والأساور في معصميه
ويرقصُ وسط النساء.
(10)
النقطةُ خمرة
والحرفُ كأس
فما أسعدني أنا أبو نؤاس الذي لا يتوب.
(11)
النقطةُ سخرية
والحرفُ هجاء
فما أسعدني أنا الحطيئة وابن الروميّ
والأحوص وابن هرمة وأنا..........
(12)
النقطةُ طفولة
والحرفُ عيد
فما أسعدني أنا الطفل الذي لم ينم
ليلة العيد بانتظار شمسه الملوّنة.
(13)
النقطةُ عري
والحرفُ جسد
فما أسعدني أنا كزنوفا القارّات.
(14)
النقطةُ عروس
والحرفُ عرس
فما أسعدني أنا لابس البدلة البيضاء
وواضع الزهرة البيضاء في أعلى البدلة.
(15)
النقطةُ حرمان
والحرفُ وحشة
فما أسعدني أنا المحكوم عليه بالسجن المؤبّد.
(16)
النقطةُ خرافة
والحرفُ أسطورة
فما أسعدني أنا سيّد العصور.
(17)
النقطةُ باء أو نون
والحرفُ ألف
فما أسعدني أنا صاحب الخورنق والسدير
والشويهة والبعير.
(18)
النقطةُ دم
والحرفُ قلب
فما أسعدني أنا المُعَذّب دوماً
والمصلوب حتّى الموت.
(19)
النقطةُ فراغ
والحرفُ فراغ
فما أسعدني أنا الغريق
بلا اسم ولا معنى ولا مكان.
(20)
النقطةُ دمعة
والحرفُ عين
فما أسعدني أنا النائحة في كلّ بيت.
(21)
النقطةُ حرف
والحرفُ أبجدية
فما أسعدني أنا بهلوان الكلمات.
(22)
النقطةُ وداع
والحرفُ اشارة الكفّ الأخيرة
فما أسعدني أنا مفرّق الجماعات
وهادم اللذات.
(23)
النقطةُ نزيف
والحرفُ نهر
فما أسعدني أنا المقتول على نهر الفرات.
(24)
النقطةُ لقاء
والحرفُ قُبَل
فما أسعدني أنا المراهق الخطير.
(25)
النقطةُ سكين
والحرفُ رصاصة
فما أسعدني أنا المُهَلْوِس الأكبر.
(26)
النقطة ُنقطة
والحرفُ حرف
فما أسعدني أنا ابن الشارع الذي لا يفقهُ شيئاً.
(27)
النقطةُ نور
والحرفُ شمس
فما أسعدني أنا الموحّد المذهول بنورِ بصري.
(28)
النقطة ُتظاهرة
والحرفُ حشود
فما أسعدني أنا الهاتف بحاءِ الحبِّ والحرية
حتّى الرمق الأخير.
(29)
النقطةُ نظارة
والحرفُ ناقد
فما أسعدني أنا الذي أقيس
كلّ شيء بالمسطرة.
(30)
النقطةُ حشيشة
والحرفُ سيكارة
فما أسعدني أنا الحشّاش الأصفر.
(31)
النقطةُ جمرة
والحرفُ جمرة
فما أسعدني أنا سيّد إعلانات هذا العصر.
(32)
النقطةُ لعبة
والحرفُ سيرك
فما أسعدني أنا المهرّج الكبير.
(33)
النقطةُ قُبْلة
والحرفُ امرأة
فما أسعدني أنا سيّد الواهمين.
(34)
النقطةُ فلوت
والحرفُ أوركسترا
فما أسعدني أنا جايكوفسكي
المليء بعواصف الربيع.
(35)
النقطةُ سعال
والحرفُ شيخ
فما أسعدني أنا الذي سيموت بالسلّ
عمّا قريبٍ في غرفته المظلمة.
(36)
النقطةُ عقل
والحرفُ مستشفى مجانين
فما أسعدني أنا المجنون الذي يشكّ
في عقولكم جميعاً!
(37)
النقطة ُرصاصة
والحرفُ موت مجاني
فما أسعدني أنا الذي سيموت قريباً
على يد جلاّدٍ محترفٍ أو سيارة تاجر حرب.
(38)
النقطةُ ماء
والحرفُ بحر
فما أسعدني أنا الذي حمل البحر
إلى المرأة العارية.
(39)
النقطةُ وحي
والحرفُ تنزيل
فما أسعدني أنا مَن يحملُ إشارة العارف
بين عينيه
ويلبسُ عمامةَ الشهيد.
مَلل
(1)
مللتُ من النظر إلى الدببة
وهي تأكل بشراهة
من عطايا دبّها الكبير
ومن القردة
وهي تتسلّق، كلّ يوم، الأشجار
لترمي الثمار
وتملأ الهواء صراخاً وزعيقاً
مللتُ من الكلاب
وهي تتشمّم الجثث،
ومن الببغاوات
وهي تدهس الكلمات،
ومن الحمامة
وهي تتركنا، كلّ يوم، لنموت
وسط سفينة الحروف
بحثا ًعن نوح وطوفانه العظيم.
(2)
مللتُ من الانتظار واللاّانتظار
من الجدوى واللاّجدوى
من الصدقاتِ والخبزِ المغموس بالدم
من رائحةِ المعنى ورائحة اللاّمعنى
من الجنةِ التي لا تجيء
ومن جهنم التي تتعرّى كلّ يوم
لتكشف عن ساقيها ونهديها
لتكشف عن مفاتنها العارمة
وسط سيرك العذاب العظيم.
(3)
مللتُ من البكاءِ والصمت
من الدمعِ والدمع الذي تحجّر
من الذين عبروا البرزخ
وباعوا ثيابنا
ومن الذين أحاطوا بنا
وسرقوا حروفنا
في ابتهاجٍ عظيم.
(4)
مللتُ من البريد وصندوق البريد،
من الأصدقاء الخونة
والأصدقاء الأجلاف
والأصدقاء اللصوص
من الحرفِ وهو يتألق
فلا يجد مَن يرى نوره،
ومن الحرفِ وهو يموت
فلا يجد مَن يقرأ عليه سورة الفاتحة،
مَن يقرأ عليه سبعاً من المثاني
والقرآن العظيم.
(5)
مللتُ من الحربِ والسلام
من المطاردةِ والاختباء
من الفقرِ وشبحِ الفقر
من الجوعِ ودبِّ الجوع
من الجمرِ يوضَعُ على اللسان
والملح يوضَعُ في أساس الجدار،
من سيقان الجواري والمخنّثين
من شفاه المومسات،
وأثداء العوانس،
وأكفّ المتسوّلين
من زمنٍ يتفتتُ رملاً وقشّاً ورماداً
مللتُ منكَ أيّاً تكون
وأينما تكون
ومللتُ منّي: أنا الملولُ العظيم!
صورة الولد في ورق اللعب
إلى: د. حسن ناظم
(1)
في طفولته
جلسَ في الشارع يستجدي أمّاً.
في صباه
جلسَ في المقهى المقابل للمقبرة
يستجدي أباً
في شبابه
جلس في التاريخ يقلّب السنين
يستجدي جدّاً
وحين شاخ
تذكّر انه لم يلعب القمار أبداً
فقامر ليخسر كلّ شيء:
الشارع والمقهى والتاريخ
الطفولة والصبا والشباب.
(2)
بعد خسارته المرعبة
فتّش جيوبه تحت شمس الغروب الكبيرة
فوجدها فارغة ًمن كلّ شيء
إلاّ من صورة الولد في ورق اللعب
صورة الولد التي، ربّما، دسّها الدهر
في جيبه المتشظّي
ليعمّق خرابه وزلزاله.
(3)
كان الولدُ جميلاً
فقطع من أجله الصحراء الكبرى
ليراه.
نعم، كان أجمل من دمعة ملاك.
وحين كبر الولد
تغّير كلّ شيء.
قيل له إنّ الولد هو الشيطان
إنّ الولد هو الشين
هو النون