حاء
القسم الثاني
شعر: أديب كمال الدين
بانتظار أن تهبط حبيبتي
(1)
رأيتكِ في أعلى السُلّمِ واقفةً
على جبينكِ تاج الذهب
وعلى كتفيكِ الثلجيين
طيلسان الفضة الغامضة
كان السُلّم عالياً كالجنة
وعميقاً كجهنم
وأنا في أسفل سافلين
أقفُ كمتمردٍ أعزل إلاّ من حجارةِ البهجة،
كشاعرٍ مجهول الهوية،
كفيلسوف أرعن
وكحوذيّ كفيف
منتظراً
أن تفتحي لي باب شتائمكِ المليئة بالعظام
والسياط العرجاء
أو تفتحي باب طيلسانك
ليخرج جسدك الملكيّ البضّ
فيلقي القبض
على أحزاني الكبرى
ووساوسي وجنوني
منذ كلكامش وأنكيدو
منذ أنكيدو وسرجون
منذ سرجون وديك الجنّ
منذ ديك الجنّ وتلبّسي بثيابِ الجنّ.
(2)
الآن اتضحت الصورةُ تماماً
لقد تلقفتُ سرّكِ الأعظم
ووقفتُ أرعى ظلك
كمهرّجٍ مبتهجٍ بسخفِ جمهوره
كأعمى مبتهجٍ بشكوى الناس من نار الشمس
كليلٍ فقد فجره في حانةٍ داعرة
وكل ما أرجوه الآن:
أن تهبطي من عليائكِ الزائفة
إلى حضيضي اليومي
لتكشفي الحبّ على هيئة جمرة
توضعُ على الشفتين
أو بين العينين،
ولتكشفي عزلتكِ الباردة
حين ترين أعواني من الجن بالآلاف،
ولتتعرّفي على أمّيتك المطلقة
حين تقفز أمام عينيك المذهولتين
حروفي المسحورة ونقاطي الملوّنة بالعنفوان.
(3)
يا أسطورتي الكبرى
إنّ مشهدك لمحزن
فهناك ألف درجة في السُلّم الذي تقفين في غيمته
وأقفُ في بئره السوداء
فحاولي أن تختصري المسافةَ – أرجوكِ –
ببهجةِ أعلاكِ
وحاولي أن تغتالي المسافةَ – أرجوكِ –
بومضةِ أسفلك
وتذكّري وأنتِ تشعلين قارّات جسدكِ السبع
ألاّ مرآة تستطيع معرفة لغاتكِ السبع
إلاّ مرآة عريي
ولا معنى يقوم لحرماني المجنون
إلاّ إذا وضعتِ رأسي فوق الرمح
وحملتهِ إلى جهاتِ الشمسِ الأربع
بعربتكِ السوداء التي تجرّها خيولُ الطغاة.
نونيات جديدة
(1)
يا نوني الغامضة
منذ أن طردتني إلى ساحةِ البحر
حملتُ معي حروفي كلّها
وصنعتُ لها سفينةً من دمي
وحميتها من زلازل عجرفتك
بصيحاتِ قلبي المليء بالندوب
وحين وصلتُ إلى جبل النهاية
وقفتُ فأطلقتُ نقطتكِ فلم تعد إليّ
ثم أطلقتُ هلالكِ فعاد إليّ ببياضه وفتنته
فعرفتُ أنها اليابسة
وأنكِ مستقرّي الجديد.
هكذا نزلتُ من سفينتي
ونزلتْ معي حروفي ونقاطي
لنفترش الأرضَ فرحين مسرورين
بانتظارِ طوفانكِ القادم أبداً!
(2)
ها أنتِ تحوّلتِ إلى سريرٍ جديد
يحميه عصفوران لا يكّفان عن الزقزقة
وعينان تنظران طويلاً في اللاشيء
أما أنا فانتقلتُ إلى سريري الأسود
ووضعتُ لحراستي جمعاً من الثيران المجنّحة
ورممته ببقايا نقطتك
التي تحّولتْ إلى ترياقي المفضّل
أنا ملك اللاشيء.
(3)
نحن لم نلتقِ!
كنّا نمثّلُ دورَ العاشقين فقط
أنا المؤلف المكتوي
وأنتِ العاشقة المدلّهة
لكننا سرعان ما غادرنا مسرحيتنا
بعد أن أغُلِقَ باب المسرح
وُطِردَ آخر مشاهد مخمور
فخرجتُ أنا من النافذةِ المليئةِ بالأعشاش
وخرجتِ أنتِ من السرداب الخلفي.
(4)
ما الذي سيحدث لي بعد أن تحطّمتْ نونك
وصادرها الكذابون والطفيليون؟
هل سأصرّ على دور الزاهد الهندي
الذي يريد أن يردد حرفكِ لسبعين سنة قادمة؟
أم أنتبه إلى أن مسرحيتكِ مسرحية مهرّجين
لابد أن تنتهي بقهقهةٍ فارغة
أو بملاكمةٍ مدهشةٍ بين الجمهور والممثلين؟!
(5)
يا نوني
كم تبقّى منكِ إليّ
فحتّى نقطة نونك
رأيت مَن يرفع سكينه
في وجهي لأنساها
وهيهات.
(6)
كم مِن روحكِ تبقتْ إليّ؟
فحتّى نافذتنا الخضراء
جاء مَن يطالب بها
ليضعها في عمارته: عمارة اللصوص.
(7)
كم مِن معناكِ تبقىّ إليّ؟
فحتّى أدراج جسدك
صادرها الأزواج المراؤون.
(8)
كم مِن معناكِ تبقى إليّ؟
فحتّى أنتِ
قررتِ أن تكوني مع مَن يمحوكِ من الأبجدية
لا مَع مَن يكتبكِ ويترجمك
إلى سبعين لغة حيّة ومنقرضة.
(9)
يا حبيبتي
لقد تحوّلت نقطتكِ إلى نشيد
وهلالكِ إلى ملحمة
ونونكِ إلى مسرحيةٍ كبرى
لكنّ ألفي.. ألفي الذي كتب كلّ شيء
ورأى كلّ شيء
وبنى كلّ شيء
وحلم بكلّ شيء
وبكى كلّ شيء
وضحك من كلّ شيء
واشترى كلّ شيء
من أجل اللاشيء
بقي حرفاً مليئاً بالطلاسم والجنون!
أخطاء
إلى المبدع الراحل: واثق الدايني
(1)
قالت النقطةُ الماكرةُ للحرفِ الحكيم:
أراكَ هرمت
واشتعل الرأسُ شيباً.
فقال الحرفُ الحكيم:
لأنّ انتصاراتي لك
وهزائمي لي وحدي.
(2)
بعد أن أكمل الرسّامُ لوحته المليئة بالفتنة
والتي تبدو فيها المرأة قارّة جمال
رفضت المرأةُ النظر إلى اللوحة:
قالت: كيف تتغزّل بي؟ هذا لا يكون!
فَصُعِقَ الرسّام
ثم قهقه ساخراً من كلامِ المرأةِ العجيب.
(3)
بعد أن عاد الحرفُ منهَكاً من الحرب
أخطأ في توزيع عطاياه
فأعطى الثعلبَ زيتوناً وجبناً
وأعطى الديكَ سمكاً وخبزاً
وأعطى المرأةَ كلمات مليئة بالشمس
وأعطى لنفسه عدّة أوسمة صدئة
ونام كما لم ينم من قبل.
(4)
واذ أشرق الفجر
خرج الحرفُ للصيد
ضائعاً مثل طفل يتيم
شاحباً مثل دمعة
وبدل أن يلاحق طريدته
بقي طوال الوقت يرقصُ ويرقصُ ويرقص
حتّى نسي نفسه
وعنوان بيته.
(5)
كلّ يوم أحاول إكمال قصيدتي الكبرى
نشيداً عن الخلقِ ولحظةِ الخلق
لكنني كلما تقدمتُ خطوة فيها
وجدتُ قلبي محاصراً بالنسور والصقور والبوم
ووجدتُ أطفالي يصرخون من الرعبِ والجوع.
(6)
مامعنى أن نكتب الشعر:
إذا كنّا نصرّ على إعطاء الثعلب زيتوناً وجبناً
ونصرّ على رسمِ النساءِ المليئات
بفتنةِ الشحمِ والغباء العظيم؟
مامعنى أن نكتب الشعر:
إذا كنّا نرقص وقت الصيد
لنصطاد وقت الرقص
دبّاً من الرعبِ والجوع؟
ثنائيّة
(1)
القُبلةُ غزالة
والموعدُ عينان وصحراء وبندقية.
(2)
القُبلةُ قصيدةُ حبّ
والموعدُ طعنة في البطن.
(3)
القُبلةُ فراشة
والموعدُ سمكة ذهبية.
(4)
القُبلة حنين عجيب
والموعدُ سرير عظيم.
(5)
القُبلةُ عيد
والموعدُ أطفال مبتهجون
وسط الشوارع الملأى بعربات الخيول.
(6)
القُبلةُ غموض
والموعدُ محاولة لفكّ الألغاز.
(7)
القُبلةُ أكذوبة
والموعدُ شاهد زور.
(8)
القُبلةُ فراق
والموعدُ أغنية تمجّد الفراق.
(9)
القُبلةُ بسمة هامدة على فم السكّير
والموعدُ شظايا الكأس.
(10)
القُبلةُ أسطورة
والموعدُ مؤتمرعالمي للأساطير!
(11)
القُبلة عين العيد
والموعدُ نون النوم.
(12)
القُبلةُ انتظار
والموعدُ قصائد الانتظار المكتوبة
بالمسماريةِ والسنسكريتيةِ والعربية
على لوحِ الوجود.
(13)
القُبلةُ قدّاح
والموعد حديقة مليئة بالعسل.
(14)
القُبلةُ شاطئ أخضر
والموعدُ شاعر لا يكفّ عن تدخين الأمل.
(15)
القُبلةُ نجوم
والموعدُ سماء بكفّ امرأة عاشقة.
(16)
القُبلة ُغريق
والموعدُ بحرلا قرار له.
(17)
القُبلةُ رمشكِ المذهل
والموعدُ ابتسامتكِ التي تقودني
كلّ ليلة إلى الموتِ اللذيذ
ولا تتركني إلاّ عند صياح الديك.
(18)
القُبلةُ نقطة ُنونكِ أو نون نقطتك الضائعة
والموعدُ أبجدية كشفتْ عن طلاسم العالم
لكنها لم تعرفْ كيف تعيدكِ إلى البيت.
(19 )
القُبلةُ صداقة
والموعد ُارتباط حتّى الموت.
(20)
القُبلةُ كرسي
والموعدُ سرير.
(21)
القُبلةُ مفتاح
والموعدُ جسد.
(22)
القُبلةُ كمان
والموعدُ رقصة الحبّ.
(23)
القُبلةُ دمعة
والموعدُ رشقةُ مطرٍ تبللُ العاشقين
في حديقةِ المسرّة.
(24)
القُبلةُ صرخة
والموعدُ مؤامرة غرامية.
(25)
القُبلةُ غرفة خضراء
والموعدُ ستائر مغلقة.
(26)
القُبلةُ حلم
والموعدُ حاء الحلم
ولام الحلم
وميم الحلم.
(27 )
القُبلةُ أغنية
والموعدُ مطرب وملحن وشاعر
بكوا لجمالِ اللحنِ والكلمات.
(28)
القُبلةُ ضوضاء عذبة
والموعدُ ممرّات صفصاف سرّية.
(29)
القُبلةُ طفل ضائع
والموعدُ عروس تبكي حظّها العاثر.
(30)
القُبلةُ حلم يقظة
والموعدُ هرطقة وَهلْوَسة.
(31)
القُبلةُ قصيدة في ذروتها
والموعدُ ديوان حبّ
كلّ سطر منه حرفك
وكلّ حرف منه اسمك.
(32)
القُبلةُ شبّاك
والموعدُ بيت ريفي
يطلّ على الشمسِ والبط.
(33)
القُبلةُ لذة
والموعدُ دعوة لكتابتها
موتاً عميقاً لا شفاء منه.
(34)
القُبلة ُعيناك الحالمتان
والموعدُ شفتاك اللتان غادرتا بخلهما العجيب.
(35)
القُبلةُ ساعةُ حبّ
والموعدُ ليلة العرس
وشموع العرس
وبدلة العروس البيضاء.
(36)
القُبلةُ نونك
والموعدُ حروفي التي تألقتْ في نونك
وأزالتْ عنها الصدأ والتراب.
(37)
القُبلةُ أنتِ
والموعدُ أنتِ.. طبعاً!
الغراب
(1)
حين مرّ الغرابُ من فوق رأس الموت
قال: أنا الغراب
قال الموتُ: ثم ماذا؟
قال الغرابُ: أنا الغراب الأسود!
فضحك الموتُ وقال: أنتَ بالنسبة لي
أكثر بياضاً من الثلج!
(2)
البارحة تذكّرتك
أنت ِالتي لا اسم لكِ ولا عنوان
أنتِ التي نسيتكِ قبل بدء الطوفان
فرقصتُ بدون يدين ولاقدمين.
(3)
حين حملوا جسدي عارياً إليك
ضحك الناسُ من بياض قلبي
وسواد جثتي.
(4)
موسيقى الألم لا تُنسى
وأكاذيبُ الحبّ حقيقية كقُبلةِ مراهق.
(5)
لماذا يطاردكِ الزمن؟
ألأنكِ تملكين ثديين من الرمّان
وبطناً من العاج
وعينين ضيقتين كقاربٍ جنوبيّ
ومصيراً يشبهُ مصير الغراب؟
(6)
الموسيقى عزفتْ مصيرنا
لم يكن هناك الكثيرُ من الألوان
كان هناك أسود كالدم
وأبيض كالدم أيضاً.
(7)
من أنتِ أيتها الضائعة؟
سمّيتكِ النون وكنتُ مخطئاً
سمّيتكِ الباء وكنتُ مجنوناً
سمّيتكِ الحاء وكنتُ محظوظاً
لأنني لم أزل أحمل رأسي حتّى الآن
فوق كتفي.
(8)
ها أنذا أعود إلى الشعر
مثل كلّ مرّة
بسببكِ أنت
أعودُ لأشاهد حروفي
يضربها الزمن بسوطه العظيم
أعود لأرى نقطتي الكبرى التي تشبه مدينة كبرى
تضيع وسط البحر.
(9)
قبلاتكِ لم تصلْ
ربّما لأنّ ساعي البريد كان يشعر بالغيرة منّي
ربّما لأنّ لغتكِ بيضاء جداً كالغراب.
(10)
قبلاتكِ لم تصلْ
رغم أن عنقكِ كان دافئاً
نعم، فلقد كنتِ في صيفكِ السابع عشر.
(11)
كنتِ مليئة بالموسيقى،
مقمرة كليلةِ صيف،
طيّعة كجوهرةٍ تضيء في الظلام،
ساذجة كببغاء تلثغ،
وخرقاء كضحكةِ مجنون.
(12)
أنتِ من علّمني الرقص:
الرقص فوق جثث الحروف
وركام الساعات الكبيرة المحترقة.
(13)
أنتِ غرابي
كان ينبغي أن أقولها في بدء القصيدة
لأريح وأستريح.
شكراً أيتها الموسيقى
شكراً أيتها الموسيقى
شكراً لأنكِ تغسلين دمي من هذيانه
وروحي من شظاياها
شكرا ًلأنكِ تثبتين لي أبداً
أنَّ البحر أكثر سواداً مما ينبغي
وأنَّ أصدقائي الغرباء
أكثر سذاجة وعناداً مما ينبغي
وأنَّ بانتظار حروفي
نقاطاً لا تنتهي عند حد.
شكراً أيتها الجميلة كطفلة
والعذبة كقُبلة
والضائعة كمستقبلي الذي يشبه سيركاً من الأعياد:
أوّلها عيد السم
وآخرها عيد الموت جوعاً.
شكراً!
أمجاد النقطة
أيتها النقطة
ماالذي أعطيتني من أمجاد؟
أنا عبدكِ الفقير
وخادمكِ المخلص الذي خدمكِ أربعين عاماً
وأعلى صرحكِ حتّى جاوز الغيوم؟
أهو مستقبلك الوديع كلغمٍ أرضي
أم دنياكِ القادمة بهيئةِ نمورٍ ومروّضي نمور
بهيئة مهرّجين وطبّالين وآكلي حشرات
بهيئة شعراء حفاة لا يجيدون فن الأتكيت
أو السير وراء اللافتات
أو الجلوس إلى مائدة اللئام؟
أيتها النقطة
كيف سرقتِ عذابي وعريي؟
وبمّ قايضتِ حروفي وخربشاتي وجرحي؟
وأين كتبتِ اسمي:
مع شعراء الوهم أم شعراء المستحيل؟
مع شعراء الحبّ أم شعراء الأسى؟
مع الشعراء التماسيح أم شعراء دموع التماسيح؟
سقطتُ من الحرف
فتلقفتني النقطةُ عصفوراً ضالاً
وألقت دجلة القبض عليّ
بتهمةِ حيازةِ الحروف الممنوعة.
دجلة.. يا دجلة.. يا دجلة
من سمّاكِ بهذا الاسم العجيب؟
ومن علّم أجسادنا على الغرق
حين تلامس ماءك الغامض؟
دجلة.. يا دجلة.. يا دجلة
يا حوريةً صغيرة
وضفيرةً صغيرة
يا عاشقةً صغيرة
أحبّكِ..
أحبّكِ..
أحبّكِ..
فمَن علّمكِ أن تشيحي بوجهك
حين أريد أن أقبّل شفتيكِ الدافئتين؟
دمعي أحاط بي
فرفعتُ عيني إليك
يا دجلة السحر الأسود والعري الأسود
كان جرحي أكبر من عنوانكِ السريّ
وأعظم من غرقى فراتكِ الطفل
وبدأتُ أتمتم عند قدميكِ العاريتين
نجمةً تهبطُ تهبطُ تهبط
حتّى تضيع في أقصى سماواتكِ الوحشية.
دجلة.. يا دجلة.. يا دجلة
ما الذي حوّلني من ملكٍ إلى شحّاذ؟
ومن فيلسوف إلى مجنون؟
ومن ضحكةٍ إلى تابوت؟
الزمن يركض.. الزمن يغرق
(1)
الزمنُ يركضُ يركض
كلصّ يطارده شرطيّ شاهراً مسدسه الكبير
الزمنُ يغرق
كطفل يلفظ أنفاسه الأخيرة
أمامنا نحن الفقراء
الذين خُلِقنا دون أيدٍ أو أقدام.
(2)
الزمنُ شيخ كبير
طيّب كلحيته البيضاء
لكنْ حين أردت أن ألقي عليه تحية الوداع
فوجئتُ بغرفته المليئة بآثار الحناء
مليئةً بالمرابين والجلاّدين والعاهرات
وقهقهاتهم وترّهاتهم وأنفاسهم الثقيلة.
(3)
الزمنُ حروفي ونقاطي التي حاصرتني بأذرع الساعات
والزمنُ ساعاتي التي تبحث دون جدوى
عن ذراعين طيبتين
وشفتين مليئتين بالدفء والقدّاح.
(4)
الزمنُ قارورة سُكِبَ فيها الفرح
ووضِعَتْ على رفّ قلبي
غير أن القطط السود كسرت القارورة
فلم أخرج لطردها
لأنّ قلبي مات من النزيف
مات من الفرح.
(5)
الزمنُ امرأة تتعرّى
أمام كلاب عالية الظهر
قوية ومبتهجة
كأذنابها المرتفعة.
(6)
الزمنُ أم ألقتْ ابنها من فوق الجسر الحديدي
مخافة الجوع
فبكى طفلها الرضيع على أخيه الغريق
أربعين سنة كاملة.
(7)
الزمنُ خرافة نحاول تصويرها
وترميمها بالأصباغ المزيّفة
والصاق قصائدنا الساذجة
على سياجها المنهار.
(8)
الزمنُ أصدقائي الذين ماتوا دون سبب
سوى أنهم ارتبكوا قليلاً
أمام شبح الحبّ
أو شبح الموت.
(9)
الزمنُ شمعة لا تكفّ عن إشاعة الظلام
وأيام ألقِيَ القبض عليها
بتهمة التعرّي في الأسواق.
(10)
الزمنُ عود ودفّ وناي
غرقوا في دفء أغنيتك
التي تطاردني من شارعٍ لشارع
ومن بيتٍ إلى بيت.
(11)
الزمنُ ثرثرة لا تُطاق
وسخافات لا نهاية لها
وجعجعة تصمّ الآذان.
(12)
الزمنُ إطلاقة ناريّة
فقفْ أمامها هادئاً
لتصل إلى قلبكَ الطيّب!
خرافات
إلى: عبد الرزاق الربيعي
(1)
الخرافة ُاتسعتْ
لتشملنا جميعاً جميعاً
والحفلة ُالتنكّرية ُاكتملتْ
اخترنا أنا وأنتَ يا حرفي الجارح
دورَ العراة
ليس لأننا نحبّ العري فقط