حاء

القسم الثاني

شعر: أديب كمال الدين

 

 

 

بانتظار أن تهبط حبيبتي

 (1)

رأيتكِ في أعلى السُلّمِ واقفةً

على جبينكِ تاج الذهب

وعلى كتفيكِ الثلجيين

طيلسان الفضة الغامضة

كان السُلّم عالياً كالجنة

وعميقاً كجهنم

وأنا في أسفل سافلين

أقفُ كمتمردٍ أعزل إلاّ من حجارةِ البهجة،

كشاعرٍ مجهول الهوية،

كفيلسوف أرعن

وكحوذيّ كفيف

منتظراً

أن تفتحي لي باب شتائمكِ المليئة بالعظام

والسياط العرجاء

أو تفتحي باب طيلسانك

ليخرج جسدك الملكيّ البضّ

فيلقي القبض

على أحزاني الكبرى

ووساوسي وجنوني

منذ كلكامش وأنكيدو

منذ أنكيدو وسرجون

منذ سرجون وديك الجنّ

منذ ديك الجنّ وتلبّسي بثيابِ الجنّ.

(2)

 الآن اتضحت الصورةُ تماماً

لقد تلقفتُ سرّكِ الأعظم

ووقفتُ أرعى ظلك

كمهرّجٍ مبتهجٍ بسخفِ جمهوره

كأعمى مبتهجٍ بشكوى الناس من نار الشمس

كليلٍ فقد فجره في حانةٍ داعرة

وكل ما أرجوه الآن:

أن تهبطي من عليائكِ الزائفة

إلى حضيضي اليومي

لتكشفي الحبّ على هيئة جمرة

توضعُ على الشفتين

أو بين العينين،

ولتكشفي عزلتكِ الباردة

حين ترين أعواني من الجن بالآلاف،

ولتتعرّفي على أمّيتك المطلقة

حين تقفز أمام عينيك المذهولتين

حروفي المسحورة ونقاطي الملوّنة بالعنفوان.

(3)

 يا أسطورتي الكبرى

إنّ مشهدك لمحزن

فهناك ألف درجة في السُلّم الذي تقفين في غيمته

وأقفُ في بئره السوداء

فحاولي أن تختصري المسافةَ – أرجوكِ –

ببهجةِ أعلاكِ

وحاولي أن تغتالي المسافةَ – أرجوكِ –

بومضةِ أسفلك 

وتذكّري وأنتِ تشعلين قارّات جسدكِ السبع

ألاّ مرآة تستطيع معرفة لغاتكِ السبع

إلاّ مرآة عريي

ولا معنى يقوم لحرماني المجنون

إلاّ إذا وضعتِ رأسي فوق الرمح

وحملتهِ إلى جهاتِ الشمسِ الأربع

بعربتكِ السوداء التي تجرّها خيولُ الطغاة.

 

 

نونيات جديدة 

 (1)

يا نوني الغامضة

منذ أن طردتني إلى ساحةِ البحر

حملتُ معي حروفي كلّها

وصنعتُ لها سفينةً من دمي

وحميتها من زلازل عجرفتك

بصيحاتِ قلبي المليء بالندوب

وحين وصلتُ إلى جبل النهاية

وقفتُ فأطلقتُ نقطتكِ فلم تعد إليّ

ثم أطلقتُ هلالكِ فعاد إليّ ببياضه وفتنته

فعرفتُ أنها اليابسة

وأنكِ مستقرّي الجديد.

هكذا نزلتُ من سفينتي

ونزلتْ معي حروفي ونقاطي

لنفترش الأرضَ فرحين مسرورين

بانتظارِ طوفانكِ القادم أبداً!

 (2)

ها أنتِ تحوّلتِ إلى سريرٍ جديد

يحميه عصفوران لا يكّفان عن الزقزقة

وعينان تنظران طويلاً في اللاشيء

أما أنا فانتقلتُ إلى سريري الأسود

ووضعتُ لحراستي جمعاً من الثيران المجنّحة

ورممته ببقايا نقطتك

التي تحّولتْ إلى ترياقي المفضّل

أنا ملك اللاشيء.

(3)

نحن لم نلتقِ!

كنّا نمثّلُ دورَ العاشقين فقط

أنا المؤلف المكتوي

وأنتِ العاشقة المدلّهة

لكننا سرعان ما غادرنا مسرحيتنا

بعد أن أغُلِقَ باب المسرح

وُطِردَ آخر مشاهد مخمور

فخرجتُ أنا من النافذةِ المليئةِ بالأعشاش

وخرجتِ أنتِ من السرداب الخلفي.

(4)

ما الذي سيحدث لي بعد أن تحطّمتْ نونك

وصادرها الكذابون والطفيليون؟

هل سأصرّ على دور الزاهد الهندي

الذي يريد أن يردد حرفكِ لسبعين سنة قادمة؟

أم أنتبه إلى أن مسرحيتكِ مسرحية مهرّجين

لابد أن تنتهي بقهقهةٍ فارغة

أو بملاكمةٍ مدهشةٍ بين الجمهور والممثلين؟!

(5)

يا نوني 

كم تبقّى منكِ إليّ

فحتّى نقطة نونك

رأيت مَن يرفع سكينه

في وجهي لأنساها

وهيهات.

(6)

كم مِن روحكِ تبقتْ إليّ؟

فحتّى نافذتنا الخضراء

جاء مَن يطالب بها

ليضعها في عمارته: عمارة اللصوص.

(7)

كم مِن معناكِ تبقىّ إليّ؟

فحتّى أدراج جسدك

صادرها الأزواج المراؤون.

(8)

كم مِن معناكِ تبقى إليّ؟

فحتّى أنتِ

قررتِ أن تكوني مع مَن يمحوكِ من الأبجدية

لا مَع مَن يكتبكِ ويترجمك

إلى سبعين لغة حيّة ومنقرضة.

(9)

يا حبيبتي

لقد تحوّلت نقطتكِ إلى نشيد

وهلالكِ إلى ملحمة

ونونكِ إلى مسرحيةٍ كبرى

لكنّ ألفي.. ألفي الذي كتب كلّ شيء

ورأى كلّ شيء

وبنى كلّ شيء

وحلم بكلّ شيء

وبكى كلّ شيء

وضحك من كلّ شيء

واشترى كلّ شيء

من أجل اللاشيء

بقي حرفاً مليئاً بالطلاسم والجنون!

  

أخطاء

 

      إلى المبدع الراحل: واثق الدايني

 (1)

قالت النقطةُ الماكرةُ للحرفِ الحكيم:

أراكَ هرمت

واشتعل الرأسُ شيباً.

فقال الحرفُ الحكيم:

لأنّ انتصاراتي لك

وهزائمي لي وحدي.

(2)

بعد أن أكمل الرسّامُ لوحته المليئة بالفتنة

والتي تبدو فيها المرأة قارّة جمال

رفضت المرأةُ النظر إلى اللوحة:

قالت: كيف تتغزّل بي؟ هذا لا يكون!

فَصُعِقَ الرسّام

ثم قهقه ساخراً من كلامِ المرأةِ العجيب.

 (3)

بعد أن عاد الحرفُ منهَكاً من الحرب

أخطأ في توزيع عطاياه

فأعطى الثعلبَ زيتوناً وجبناً

وأعطى الديكَ سمكاً وخبزاً

وأعطى المرأةَ كلمات مليئة بالشمس

وأعطى لنفسه عدّة أوسمة صدئة

ونام كما لم ينم من قبل.

(4)

واذ أشرق الفجر

خرج الحرفُ للصيد

ضائعاً مثل طفل يتيم

شاحباً مثل دمعة

وبدل أن يلاحق طريدته

بقي طوال الوقت يرقصُ ويرقصُ ويرقص

حتّى نسي نفسه

وعنوان بيته.

(5)

كلّ يوم أحاول إكمال قصيدتي الكبرى

نشيداً عن الخلقِ ولحظةِ الخلق

لكنني كلما تقدمتُ خطوة فيها

وجدتُ قلبي محاصراً بالنسور والصقور والبوم

ووجدتُ أطفالي يصرخون من الرعبِ والجوع.

(6)

مامعنى أن نكتب الشعر:

إذا كنّا نصرّ على إعطاء الثعلب زيتوناً وجبناً

ونصرّ على رسمِ النساءِ المليئات

بفتنةِ الشحمِ والغباء العظيم؟

مامعنى أن نكتب الشعر:

إذا كنّا نرقص وقت الصيد

لنصطاد وقت الرقص

دبّاً من الرعبِ والجوع؟

 

 

ثنائيّة

 

(1)

القُبلةُ غزالة

والموعدُ عينان وصحراء وبندقية.

(2)

القُبلةُ قصيدةُ حبّ

والموعدُ طعنة في البطن.

(3)

القُبلةُ فراشة

والموعدُ سمكة ذهبية.

(4)

القُبلة حنين عجيب

والموعدُ سرير عظيم.

(5)

القُبلةُ عيد

والموعدُ أطفال مبتهجون

وسط الشوارع الملأى بعربات الخيول.

(6)

القُبلةُ غموض

والموعدُ محاولة لفكّ الألغاز.

(7)

القُبلةُ أكذوبة

والموعدُ شاهد زور.

(8)

القُبلةُ فراق

والموعدُ أغنية تمجّد الفراق.

(9)

القُبلةُ بسمة هامدة على فم السكّير

والموعدُ شظايا الكأس.

(10)

القُبلةُ أسطورة

والموعدُ مؤتمرعالمي للأساطير!

(11)

القُبلة عين العيد

والموعدُ نون النوم.

(12)

القُبلةُ انتظار

والموعدُ قصائد الانتظار المكتوبة

بالمسماريةِ والسنسكريتيةِ والعربية

على لوحِ الوجود.

(13)

القُبلةُ قدّاح

والموعد حديقة مليئة بالعسل.

(14)

القُبلةُ شاطئ أخضر

والموعدُ شاعر لا يكفّ عن تدخين الأمل.

(15)

القُبلةُ نجوم

والموعدُ سماء بكفّ امرأة عاشقة.

(16)

القُبلة ُغريق

والموعدُ بحرلا قرار له.

(17)

القُبلةُ رمشكِ المذهل

والموعدُ ابتسامتكِ التي تقودني

كلّ ليلة إلى الموتِ اللذيذ

ولا تتركني إلاّ عند صياح الديك.

(18)

القُبلةُ نقطة ُنونكِ أو نون نقطتك الضائعة

والموعدُ أبجدية كشفتْ عن طلاسم العالم

لكنها لم تعرفْ كيف تعيدكِ إلى البيت.

(19 )

القُبلةُ صداقة

والموعد ُارتباط حتّى الموت.

(20)

القُبلةُ كرسي

والموعدُ سرير.

(21)

القُبلةُ مفتاح

والموعدُ جسد.

(22)

القُبلةُ كمان

والموعدُ رقصة الحبّ.

(23)

القُبلةُ دمعة

والموعدُ رشقةُ مطرٍ تبللُ العاشقين

في حديقةِ المسرّة.

(24)

القُبلةُ صرخة

والموعدُ مؤامرة غرامية.

(25)

القُبلةُ غرفة خضراء

والموعدُ ستائر مغلقة.

(26)

القُبلةُ حلم

والموعدُ حاء الحلم

ولام الحلم 

وميم الحلم.

(27 )

القُبلةُ أغنية

والموعدُ مطرب وملحن وشاعر

بكوا لجمالِ اللحنِ والكلمات.

(28)

القُبلةُ ضوضاء عذبة

والموعدُ ممرّات صفصاف سرّية.

(29)

القُبلةُ طفل ضائع

والموعدُ عروس تبكي حظّها العاثر.

(30)

القُبلةُ حلم يقظة

والموعدُ هرطقة وَهلْوَسة.

(31)

القُبلةُ قصيدة في ذروتها

والموعدُ ديوان حبّ

كلّ سطر منه حرفك

وكلّ حرف منه اسمك.

(32)

القُبلةُ شبّاك

والموعدُ بيت ريفي

يطلّ على الشمسِ والبط.

(33)

القُبلةُ لذة

والموعدُ دعوة لكتابتها

موتاً عميقاً لا شفاء منه.

(34)

القُبلة ُعيناك الحالمتان

والموعدُ شفتاك اللتان غادرتا بخلهما العجيب.

(35)

القُبلةُ ساعةُ حبّ

والموعدُ ليلة العرس

وشموع العرس

وبدلة العروس البيضاء.

(36)

القُبلةُ نونك

والموعدُ حروفي التي تألقتْ في نونك

وأزالتْ عنها الصدأ والتراب.

(37)

القُبلةُ أنتِ

والموعدُ أنتِ.. طبعاً!

 

      الغراب

 

(1)

حين مرّ الغرابُ من فوق رأس الموت

قال: أنا الغراب.

قال الموتُ: ثم ماذا؟

قال الغرابُ: أنا الغراب الأسود!

فضحك الموتُ وقال: أنتَ بالنسبة لي

أكثر بياضاً من الثلج!

(2)

البارحة تذكّرتك

أنتِ لتي لا اسم لكِ ولا عنوان

أنتِ التي نسيتكِ قبل بدء الطوفان

فرقصتُ بدون يدين ولا قدمين.

(3)

حين حملوا جسدي عارياً إليك

ضحك الناسُ من بياض قلبي

وسواد جثتي.

(4)

موسيقى الألم لا تُنسى

وأكاذيبُ الحبّ حقيقية كقُبلةِ مراهق.

(5)

لماذا يطاردكِ الزمن؟

ألأنكِ تملكين ثديين من الرمّان

وبطناً من العاج

وعينين ضيقتين كقاربٍ جنوبيّ

ومصيراً يشبهُ مصير الغراب؟

(6)

الموسيقى عزفتْ مصيرنا

لم يكن هناك الكثيرُ من الألوان 

كان هناك أسود كالدم

وأبيض كالدم أيضاً.

(7)

من أنتِ أيتها الضائعة؟

سمّيتكِ النون وكنتُ مخطئاً

سمّيتكِ الباء وكنتُ مجنوناً

سمّيتكِ الحاء وكنتُ محظوظاً

لأنني لم أزل أحمل رأسي حتّى الآن

 فوق كتفي.

(8)

ها أنذا أعود إلى الشعر

مثل كلّ مرّة

بسببكِ أنت

أعودُ لأشاهد حروفي

يضربها الزمن بسوطه العظيم

أعود لأرى نقطتي الكبرى التي تشبه مدينة كبرى

تضيع وسط البحر.

(9)

قبلاتكِ لم تصلْ

ربّما لأنّ ساعي البريد كان يشعر بالغيرة منّي

ربّما لأنّ لغتكِ بيضاء جداً كالغراب.

(10)

قبلاتكِ لم تصلْ

رغم أن عنقكِ كان دافئاً

نعم، فلقد كنتِ في صيفكِ السابع عشر.

(11)

كنتِ مليئة بالموسيقى،

مقمرة كليلةِ صيف،

طيّعة كجوهرةٍ تضيء في الظلام،

ساذجة كببغاء تلثغ،

وخرقاء كضحكةِ مجنون.

(12)

أنتِ من علّمني الرقص:

الرقص فوق جثث الحروف

وركام الساعات الكبيرة المحترقة.

(13)

أنتِ غرابي

كان ينبغي أن أقولها في بدء القصيدة

لأريح وأستريح.

 

  

 شكراً أيتها الموسيقى

 

 

شكراً أيتها الموسيقى

شكراً لأنكِ تغسلين دمي من هذيانه

وروحي من شظاياها

شكرا ًلأنكِ تثبتين لي أبداً

أنَّ البحر أكثر سواداً مما ينبغي

وأنَّ أصدقائي الغرباء

أكثر سذاجة وعناداً مما ينبغي

وأنَّ بانتظار حروفي

نقاطاً لا تنتهي عند حد.

شكراً أيتها الجميلة كطفلة

والعذبة كقُبلة

والضائعة كمستقبلي الذي يشبه سيركاً من الأعياد:

أوّلها عيد السم

وآخرها عيد الموت جوعاً.

شكراً!  

 

أمجاد النقطة

 

أيتها النقطة

ماالذي أعطيتني من أمجاد؟

أنا عبدكِ الفقير

وخادمكِ المخلص الذي خدمكِ أربعين عاماً

وأعلى صرحكِ حتّى جاوز الغيوم؟

أهو مستقبلك الوديع كلغمٍ أرضي

أم دنياكِ القادمة بهيئةِ نمورٍ ومروّضي نمور

بهيئة مهرّجين وطبّالين وآكلي حشرات

بهيئة شعراء حفاة لا يجيدون فن الأتكيت

أو السير وراء اللافتات

أو الجلوس إلى مائدة اللئام؟

أيتها النقطة

كيف سرقتِ عذابي وعريي؟

وبِمَ قايضتِ حروفي وخربشاتي وجرحي؟

وأين كتبتِ اسمي:

مع شعراء الوهم أم شعراء المستحيل؟

مع شعراء الحبّ أم شعراء الأسى؟

مع الشعراء التماسيح أم شعراء دموع التماسيح؟

 

 

 (اركعْ) فركعت

  

(1)

حين نظرتُ إلى ساعتي

لم أجد فيها أياماً ولا سنوات

بل وجدتُ فيها أنهاراً من الحلمِ والموسيقى والكلمات

فحلمتُ ولعبتُ وكتبت

حتّى كدتُ أموت من الحلمِ والموسيقى والكلمات

حتّى كدتُ أموت من الغرق.

(2)

حين طردتُ الموتَ من النافذة

دخلَ من الشباك

وحين طردته من الشباك

دخلَ من النافذة

هكذا خرجتُ من الباب

لأجد الموت

يحمل سيفاً ودرعين

مسدساً وثلاث بنادق

ومدفعاً من النوع الثقيل. 

(3)

حين احتضن الآباءُ أبناءهم

والعشاقُ حبيباتهم

والفجرةُ دنانيرهم

لم أجد من يحتضنني إلاّ الله

الذي قال: (اركعْ). فركعت

فانشقَّ صدري وطارَ منه طائرُ الخوف

وقال: (اسجدْ). فسجدت

على سجادتي الصغيرة الممزّقة

حتّى تحوّلتُ إلى دمعة،

بل نقطة. 

(4)

من الصباح إلى المساء

ومن المساء إلى الصباح

لعب الأطفالُ بكرةِ الفرح

وثياب العيد الزاهية

أما أنا فلم أجد ما ألعب به

سوى الحروف:

حروف زاهية كعيدٍ غامضٍ عجيب.

(5)

ولكن، كيف تحوّلت الحروفُ هكذا؟

كيف تحوّلتْ حاءُ الحريةِ إلى حاءِ الحرب،

وسينُ السرّ إلى سينِ سقوطِ الأسنان،

وميم ُالمرادِ إلى ميمِ الموت؟

(6)

حين نظرتُ إلى ساعتي

لم أجد فيها أياماً ولا سنوات

بل وجدتُ فيها أنهاراً من ميماتِ الموت

وواواتِ الموت

وتاءاتِ الموت

فبكيتُ شبابي وشموخي وشروخي

وبكيتُ شكوكي.

(7)

نظرَ اللهُ إليّ وقال: (انهضْ). فنهضت

وقال: (اركعْ). فركعت

فانشقّ صدري

وطارَ منه طائرُ الموت

كغيمةِ حزنٍ زرقاء

كغيمةِ حزنٍ كبرى. 

 

دجلة

(1)

سقطتُ من الحرف

فتلقفتني النقطةُ عصفوراً ضالاً

وألقت دجلة القبض عليّ

بتهمةِ حيازةِ الحروف الممنوعة.

(2)

دجلة.. يا دجلة.. يا دجلة

من سمّاكِ بهذا الاسم العجيب؟

ومن علّم أجسادنا على الغرق

حين تلامس ماءك الغامض؟

 (3)

دجلة.. يا دجلة.. يا دجلة

يا حوريةً صغيرة

وضفيرةً صغيرة

يا عاشقةً صغيرة

أحبّكِ..

أحبّكِ..

أحبّكِ..

فمَن علّمكِ أن تشيحي بوجهك

حين أريد أن أقبّل شفتيكِ الدافئتين؟

(4)

دمعي أحاط بي

فرفعتُ عيني إليك

يا دجلة السحر الأسود والعري الأسود

كان جرحي أكبر من عنوانكِ السريّ

وأعظم من غرقى فراتكِ الطفل

وبدأتُ أتمتم عند قدميكِ العاريتين

نجمةً تهبطُ تهبطُ تهبط

حتّى تضيع في أقصى سماواتكِ الوحشية.

 (5)

دجلة.. يا دجلة.. يا دجلة

ما الذي حوّلني من ملكٍ إلى شحّاذ؟

ومن فيلسوف إلى مجنون؟

ومن ضحكةٍ إلى تابوت؟

 

 

 

 الزمن يركض.. الزمن يغرق

(1)

الزمنُ يركضُ يركض

كلصّ يطارده شرطيّ شاهراً مسدسه الكبير

الزمنُ يغرق

كطفل يلفظ أنفاسه الأخيرة

أمامنا نحن الفقراء

الذين خُلِقنا دون أيدٍ أو أقدام. 

(2)

الزمنُ شيخ كبير

طيّب كلحيته البيضاء

لكنْ حين أردت أن ألقي عليه تحية الوداع

فوجئتُ بغرفته المليئة بآثار الحناء

مليئةً بالمرابين والجلاّدين والعاهرات

وقهقهاتهم وترّهاتهم وأنفاسهم الثقيلة.

 (3)

الزمنُ حروفي ونقاطي التي حاصرتني بأذرع الساعات

والزمنُ ساعاتي التي تبحث دون جدوى

عن ذراعين طيبتين

وشفتين مليئتين بالدفء والقدّاح.

 (4)

الزمنُ قارورة سُكِبَ فيها الفرح

ووضِعَتْ على رفّ قلبي

غير أن القطط السود كسرت القارورة

فلم أخرج لطردها

لأنّ قلبي مات من النزيف

مات من الفرح.

(5)

الزمنُ امرأة تتعرّى

أمام كلاب عالية الظهر

قوية ومبتهجة

كأذنابها المرتفعة.

(6)

الزمنُ أم ألقتْ ابنها من فوق الجسر الحديدي

مخافة الجوع

فبكى طفلها الرضيع على أخيه الغريق

أربعين سنة كاملة.

(7)

الزمنُ خرافة نحاول تصويرها

وترميمها بالأصباغ المزيّفة

والصاق قصائدنا الساذجة

على سياجها المنهار. 

(8)

الزمنُ أصدقائي الذين ماتوا دون سبب

سوى أنهم ارتبكوا قليلاً

أمام شبح الحبّ

أو شبح الموت.

(9)

الزمنُ شمعة لا تكفّ عن إشاعة الظلام

وأيام ألقِيَ القبض عليها

بتهمة التعرّي في الأسواق.

(10)

الزمنُ عود ودفّ وناي

غرقوا في دفء أغنيتك

التي تطاردني من شارعٍ لشارع

ومن بيتٍ إلى بيت.

(11)

الزمنُ ثرثرة لا تُطاق

وسخافات لا نهاية لها

وجعجعة تصمّ الآذان.

(12)

الزمنُ إطلاقة ناريّة

فقفْ أمامها هادئاً

لتصل إلى قلبكَ الطيّب!

 

 خرافات

إلى: عبد الرزاق الربيعي

  

(1)

الخرافة ُاتسعتْ

لتشملنا جميعاً جميعاً

والحفلة ُالتنكّرية ُاكتملتْ

اخترنا أنا وأنتَ يا حرفي الجارح

دورَ العراة

ليس لأننا نحبّ العري فقط

بل لأننا لا نملك الملابس

وحتّى لو أعْطِينا شراذم الملابس المستعملة

فمن يؤكّد لنا أننا نستطيع ارتداء ما يسترنا

بعد هذا التعريّ العجيب؟

(2)

الخرافة ُاتسعتْ

* أطفالنا في المهد، مَن لهم؟

- الله لهم.

* وأحزاننا في المهد، مَن لها؟

- السوط لها.

* وأساطيرنا في الحرف، مَن لها؟

- اللاجدوى لها.

* بل العبث يا حرفي المغفّل

فالخرافة اتسعتْ واشترتْ

مظلةً لأحلامها المثقوبة

وخرجتْ عاريةً إلى الشارع

فتبعها كلُّ سفهاءِ الأرض.

(3)

الخرافةُ اتسعتْ

(مَن أنتَ؟ ومِن أين أتيت؟) سألني السائل.

فدهشتُ وأنا أحملقُ في عينيه.

(مَن أنتَ؟ وإلى أين ستذهب؟) سألني السائل.

فاحرنجمتُ ودمعت ْعيناي

(مَن أنتَ؟ وأين ستموت؟)

نظرتُ إلى جثتي: لم تزل الحرارة فيها

فبكيت.

(4)

الخرافة ُاتسعتْ

في العواصم التي ترتدي العقال والمايوه

بحثنا لأحزاننا عن منافٍ جديدة

فهرب الأصدقاءُ منا

تركونا نؤكل في الصحراء.

الخرافة ُاتسعتْ اتسعتْ

حتّى أنني أنا الذي حملتُ حرفي صليباً

وسط العواصم

بكيتُ وغنّيت

غنّيتُ وصلّيت

صلّيتُ وتهجّدت

ونظرتُ فلم أجد مَن يعينني على حفر قبري

سوى الموتى الذين استقبلوني وجثتي

في شلالِ ضحكٍ هادر.

 

 

 

حوريات الفردوس

 

 (1)

تلمّستُ دمعتي: صادقةً كصاد، كقاف

تلمّستُ طفولتي: عارية ًكثياب شحاذ

وتلمّستُ أزمنتي: زمهرير آب. 

(2)

تلمّستُ عريي: هباءاً منثوراً

تلمّستُ هبائي: حفنةً من نساء

وتلمّستُ نون نسوتي: حفنةً من تراب. 

(3)

تلمّستُ ترابي

فكان قسيم النار معي وأمامي

قدّامي، وسط حروفي

وجلستُ، تلمّستُ ماضيي

فرعبتُ من بياضِ لحيتي

واتساعِ خرقتي

وقلّةِ حيلتي. 

(4)

تلمّستُ فصولي

يميناً كيمين

وشمالاً كشمال

وما لا يجيء قد لا يجيء

وما لا يُرى قد يُرى

فخرجتُ من جسدي

ميتاً في زيّ حي

وحيّاً في تابوت ميت. 

(5)

تلمّستُ فراتي فكان غريباً

تلمّستُ غربتي: بحراً من الظلام

وتلمّستُ ظلمتي، فوقعتُ في شقّ قبري. 

(6)

وتلمّستُ قبري دافئاً كإصبع طفل

والتراب منه يسّاقط بالعبث

يسّاقط بالفرح

أنا الذي بصمتُ حاءَ الفرح

وحاءَ الحرية والحنين والحبّ

أجلسُ قرب قبري

ألعبُ بطيور بيض

أنام وأصحو

أدخلُ وأخرج

أبتسمُ وأرتجف

وطيوري تحلّق حول قبري

حروفاً من نور. 

(7)

تلمّستُ جدّي:

أعنّي على بلواي

صرختُ: أعنّي على طفولة حبّي

وصيحات جسدي

أعنّي على غربان ليلي وهشيم حروفي

أعنّي على جفاف حلقي وهباء يومي 

تلمّستُ جدّي دهراً فدهراً

حتّى سجدتُ على بابِ جهنم

وأنا أتنفّس حوريات الفردوس.

 

 ارتباك الزاي

 

(1)

كانت الزاي ارتباكاً جديداً

بنقطتها التي تشيرُ إلى فوق.. فوق ماذا؟

فوق جبل؟

فوق لغم؟

فوق ظلمات لا حدّ لها؟

فوق ماذا؟

فوق ركام كلمات ضائعة

وأشباح تجرّ خيباتها؟

فوق ماذا؟

موسيقى فارغة كفؤاد أم موسى،

وجنّ يبكون وليّهم الذي مات مصعوقاً برؤياه

وترك دمه يبلل لحاهم وثيابهم القصيرة؟

(2)

كانت الزاي ارتباكاً جديداً

وأنا أقايض ارتباكاً بآخر

أنا تاجر الارتباك

أنا ممّول المرتبكين الحالمين

بجهنم باذخة خالدة.

(3)

كانت الزاي واضحةً

وبسيطةً حدّ الارتباك،

ساذجة كخربشات طفل

لكنّ نقطتها تشيرُ إلى فوق..

فوق ماذا؟

وجوه دون ملامح

ورؤوس أينعتْ وحان قطافها اللذيذ

فوق ماذا؟

فوق نساء ضائعات: عوانس وأرامل

وساعات تنتظر غودو

الذي جلس في مقهى العدم

يدخن سكائره الرديئة

ويحلمُ، ويشتمُ، ويحلم،

يحلم بماذا؟

لكني رأيتُ الزاي ولمستُ نقطتها

فخذاً مرسوماً على الجدار

وأكاذيب حقيقية

وأزمنة حمير ملوّنين

يغنّون:

يا للجمال،

يا للبهجة،

يا للذهول!

(4)

هل الزاي نون جديدة؟

ضحكتُ لطيبة سؤالي

فالقوافي واحدة

والمدن واحدة

لكنّ الحروف اختلفت باختلاف الأهلّة

باختلاف النقاط 

باختلاف مجرّات الدم.

(5)

كانت الزاي مدناً جديدة

بنساء تُركنَ في الممرّات

للزمن يأكلهنّ

ويحطم أثداهنّ

تُركن للزمن يسحق أفخاذهنّ

بسيارته ذات الدخان الأسود

وهن يوولولن  

ويوولولن  

ويوولولن. 

(6)

ثم ماذا؟

الزاي تتحركُ وتبيع

وتبادلُ لهجتها القديمة بأخرى مزيّفة

وتنشر أغاني المراهقين وترّهات الأمل.

ثم ماذا؟ ثم ماذا؟ ثم ماذا؟

لكن الزاي أغنية لا تجيء

وإنْ أتتْ فغزلها عنيف

عنيف كقنبلة. 

 

 

ضحك 

سقط المطر

قطرة ً قطرةً

موجةً موجةً

بحراً فبحراً

حتّى طلعت الشمسُ راقصةً بنورها العجيب.

ضحك الأطفال

وطاروا خلال أشجار اللوز والتفّاح والبرتقال

ضحكت الصبايا الصغيرات

وانتبهن إلى نهودهنّ الجميلة

وضحكت العاشقاتُ اللائي حطّمهن العشق

وصيحاتُ الجسدِ المكبوتِ كلّ ليلة

ضحكت العصافيرُ والزرازير

وسط النور والدخان

ضحكت الساعاتُ والمستشفيات

والمرضى الذين يبحثون عن وميض الشفاء

ضحك الشرطيّ والطاغية

ومفجرّ القنابل والموظف البليد

وحرسُ الحدود المرتشون

ضحك الأولياءُ والذاهلون والمنفيون

ضحكت الراقصاتُ بملابسهن العارية

وضحك تلامذة ُالمدارس

ومحاسبو المصارف

وسائقو التكسيات

ضحك الحمّالون

وبائعو الفواكه واللصوص والمخبرون

ضحك العباقرةُ وأنصاف العباقرة

والمخنّثون والعابرون

ضحك المبتهجون بالعري

وامتلاء المائدة بالنبيذ

ضحك القتلى والغرقى

ثم ضحك الموتى جميعاً

واشتدّ الضحك

اشتدّ

اشتدّ

وحدي كنتُ أتأمل المشهد

وأبكي

وحدي كنتُ أتأمل المشهد

وأموتُ ببطء.

 

 رسالة الحروف

  

(1) 

أيتها الرسالة: متى تَصَلين؟

متى تفتحين عليّ الباب

لتمسحي عن حروفي الدم

وعن نقاطي الدموع؟ 

(2) 

كم انتظرتك!

مرّت طيورُ الطفولة ولم تَصَلي

ومرّت طيورُ الصبا

وطيور الشباب

وطيور الدهور

وأنت لا تنعمين عليّ بريشك

ولا بمنقاركِ الدافئ الصغير. 

(3) 

آ..........غموضكِ أذهلَ روحي

فتطلسمتُ في حروفك

وتنقّطتُ بدمكِ المسفوح

وبكيتُ في غرفتكِ العارية وثيابكِ العارية. 

(4) 

يا رسالتي: مَن أنت؟!

ومَن كتبك؟!

(5) 

أخاف أن أموت دون أن أقرأ

سينكِ الكبرى

ولامكِ المقدسة العظمى! 

(6) 

يا رسالتي المحترقة كباخرةٍ محترقة

دمعتي حاصرتني

حين تذكرتُ موت ساعي البريد. 

(7) 

أرجوك

تعبتُ من الرجاء

فلمّي حطامي

وبددي ذكراي

بأزرقكِ وأحمرك

وطوابعكِ ذات الطواويس. 

(8) 

يا رسالتي

قيل إنَّ في ظرفكِ شمسي

فتعجبتُ

وقيلَ إنَّ فيه طالعي

فدهشتُ

بل قيل إنَّ ملائكتي قد دخلتْ فيه

لتحتفل بغموضكِ القادم ليبدد وضوحي

فجننت!  

(9) 

آ..........

قوديني اليك

كما يقودُ المبصر أعمى إلى الفرات

ليسبح فيه

ويبصر طفولته العذبة

وشموسه المنطفئة وسط النخيل وصيحات البطّ. 

(10) 

أيّا يكون مرسلكِ........ تعالي

أيّا يكون مرسلكِ: حيّاً أو ميّتاً،

ضائعاً، غريقاً، مرميّاً في المجاهيل.. تعالي

فلقد سفحتُ

أربعين عاماً

أنتظر قدومكِ المفاجئ عند ضفاف الأنهار

وعند خضرة الأولياء وحنّة حيطانهم 

وعند دموع طسم وآلم وكهيعص. 

(11) 

يا أعجوبتي الضائعة في بريد اللامعنى 

يا مغنّيتي التي أشعلتْ قلبي بذكرى الربيع الميّت 

وذكرى طيران الأساطير وانتحارها في الأزقة

كيف ينبغي لي أن أخاطبك

لأوهمكِ بصدقي

وأصدقكِ بوهمي؟ 

(12) 

يا نقطتي التي لم تصل بعد أربعين موتاً

من التعلّقِ بقشّةِ الحروف

ها أنذا أجلسُ في نفسي درويشاً أعمى

متمترساً في غيبتي ووسوستي 

أنتظرك

وأنتظرك

وأنتظرك. 

(13) 

يا رسالتي

إنْ لم تَصَلي فسوف أسوّفُ سينك

وألمّ لامنا وآلامنا في قارورةِ العبث 

ثم أذروها في راءِ فراتِ طفولتي

إلى أن أموت!

 

 

الحفلة

 

 إلى: صلاح كمال الدين

 

 سقطَ الحرف

وضاعَ العمرُ الذي يمشي على عكّازةٍ واحدة

سقطَ وضاع

ضاعَ وتزحلق

تزحلقَ وامّحى

امّحى وتكهرب

تكهربَ وذاب

ذابَ وغاب

غابَ فانكسرت الأبواب

ودخلتُ على فرس الخيبة أحملُ سيفي

أمتشقُ عذابي وكلماتي، حقّي ونوري

وصرخت..

لكنّ الحرف انكسر الليلة

فأقمتُ له مأتماً

ولم أدع اليه أحداً سوى نفسي

وحين حضرتْ نفسي فتشتها كثيراً

وتأكدتُ أنها لا تحمل شيئاً ممنوعاً

ثم سلّطتُ عليها ضوء دمي

فخرجَ منها شيء فيه جلال القاف

وصور الطفولة الحافية

ونهر الفرات الأدرد

والخيبات التي لا تنتهي عند حد.

حينها صرخت: آه.. سقط الحرف

أيها المجانين

انتبهوا فالحفلة عارمة

(وأنتم لا تخلون من الأكاذيب)

الحفلة ستبدأ بالأكاذيب

(فاحذروا الدخول من باب الراقصات)

ثم تبدأ الدموع بالهطول

وسأشرح لكم ألف مشهد بكائيّ لي

ولآبائي وأجدادي وأبنائي

فاحذروا 

فمن سيشاركني سيُمَحق في هذه الحفلة المجنونة

احذروا

احذروا 

سقط الحرف

ولذا سأقرأ عليكم روحي في سندان القصيدة

والقصيدة في سندان الموت

والموت في سندان الفجر

والفجر في سندان الاحلامِ المخنوقةِ بالماء،

الماءِ، الماءِ، الماء

وأقرأ عليكم عريي الظاهر

لنهبط إلى عريي الباطن

وأحلم أن تموتوا كي تتخلّصوا من ضحالتكم

أيها الأجلاف الحفاة

أيها الشعراء الذين ضيّعوا أنفسهم فلم يضيعوا

انتبهوا 

صوتُ الموسيقى مدوّياً مدوّياً يجيء

ليغّطي صوت سقوط الحرف

لكن..

لا..

فسقوطُ الحرف بهيّ أيها العراة

انتبهوا 

انتبهوا 

الموتُ على الباب

ونحن ضيّعنا شموسنا بحثاً عن الخبز

فلم نجد الملح

وبحثنا عن الملح

فلم نجد الذاكرة

وبحثنا عن الذاكرة

فلم نجد اللباس

وبحثنا عن اللباس

فلم نجد القميص

وبحثنا عن القميص

فلم نجد العمامة.

سقط الحرف

احذروا

احذروا

وجدتُ العمامةَ ملطّخةً بالدمِ، معطّرةً بالحلم

وفي وسطها شمس المرايا تسطعُ، تسطع 

فهللتم

قلتُ لكم هلّلوا

هلّلوا أيها الحفاة 

الحرفُ يسقطُ يسقط

ونحن نضيعُ وسط عرينا الأسود

الذي ملأ علينا كلّ شيء.

 

 

 

آراء

 

 في العمل الابداعي الكبير أكثر من مجرى سري يحفره المبدع في وجدان قارئه، وكلما كان هذا العمل موجزاً أو مكثفاً زاد القارئ به إغراء ودهشة، وهذا شأننا مع تجربة الشاعر أديب كمال الدين، الذي يشارك بفاعلية في تأسيس المنجز الشعري الأحدث والأجد بلغة لا تستعجم، وفي إطار أبعد ما يكون عن الشكلانية المحكومة بالإبهار الخاوي.

  د . عبد العزيز المقالح

جريدة الحياة اللندنية  5 آب 2005

 

اللغة ووعي الموت حدان يلتقيان، يداخلان في شعر أديب كمال الدين، أذ يفكك الشاعرُ اللغةََ بالقصد كي يصل بها إلى تخوم العدم، كي يخترق صوتية الحرف محاولا بذلك استعادة بهجة الكلمة ووهج الصوت المعبر عن التواصل الحميم بين ظل الفكرة وظواهر الاشياء. ولأن الحياة تراكم صور، بها يثبت التكرار فالموت هو السكين القادر على أختراق كثافة الوجود لإحداث الانقطاع وتفكيك المتصل. اذ ترغب الذات في مغامرة الخروج عن السبل المسطورة  بالاندفاع إلى أقاصي  تجربة الحياة والكتابة معا، وتؤثر مقاربة نقيض الحياة على الانحباس داخل دوامة الزمن المستعاد وأحكام القبيلة.

 د . مصطفى الكيلاني

جريدة الدستور – الأردن 28 – 6 - 2002

 

 

الشاعر أديب كمال الدين واحد من شعرائنا العراقيين المتميزين.. لاسيما بعد أن أستطاع أن يجد له طريقاً كتابياً خاصاً به.. يمر من خلال عناقه الحميم مع أهم منجز إبداعي شعري عرفه تراثنا العربي الخالد... ونعني به: الشعر الصوفي.

عيسى حسن الياسري

جريدة الزمان اللندنية 27 – 9 - 2001

 

توطئة  لتغيير جذري في الأساليب ينفي أديب كمال الدين أن في البدء كانت الكلمة.. ويؤكد الحرف.. ليس حرفنا الذي أصابه الانكسار... وإنما تحدي  حروفياته للواقع برموزها وعرائسها  وأحلامها وتصوفها وأساطيرها. هذا الحرف/ الجزيء اتسع فصار كلمة، جملة، نصاً،كائنا حياً.. جريء يريد أن يبتدع الواقع/ المثال..فللنون حياة خاصة ونقطة مشعة وللباء والحاء وكل الحروف. إنه يبني الشعر حرفاً بسمات وأشكال ومعان وقدرات على التكامل، إنه يكوّن العالم الشعري جزءاً جزءاً، يبدأ  بالتميز ولا يتنكب عنه، وبين الحبّ ولا جدواه وبين الحياة ونقيضها تنثلم الحروف والكلمات والقصائد وتتهاوى العوالم، ولكن يبقى الشعر.. الشعر الرائع وما أقله، ومن هذا القليل قصائد لأديب لا تتطلع إلى حكم ولكن تفرضه، ولا إلى قيمة ولكن تتجاوزها، قصائد منه، ومن شعراء، طوقتهم العقود، بعد الرواد، تبقى تزودنا بأمل الشعر مزهواً باستقبال القرن الجديد وكل الأزمنة الآتية. 

د. جلال الخياط

مجموعة نون 1993

 

إنّ قراءة شعر أديب كمال الدين عبر مجموعته "النقطة" تشبه إلى حدّ كبير ما قاله في إحدى "محاولاته":

في سُلّم الحظ

كلما صعدتُ درجة هوت تحت ناظري

وبدا السلم عميقاً حدّ اللعنة. (النقطة، ص109)

إنها تشبه "سُلّم الحظ" تماماً، فنحن كلما ظننا بأننا نشرف عليها، ونحيط بتفصيلات كافية لتقديم معرفة بصددها، بدت لنا أكثر عمقاً، وأكثر سَعَةً، وأكثر تناقضاً أيضاً، ولاحت لنا خبرة تلك السنوات الطويلة التي تختفي خلف هذه "المحاولات"، سنوات الكتابة، والتأمل، وممارسة الحياة.

د .  حسن ناظم

جريدة الزمان اللندنية 25 – مارس - 2002

 

لكن نصّ أديب كمال الدين صوفيته صوفية شعرية، أي أنها تمتلك ذلك الإنصات المرهف لأحاسيس الأشياء والحروف، وترغب في أن تجعلهما يكتسبان خصائص الكائنات الحية، لخلق عالم رمزي متخيل له القدرة علي خلق الإيهام الذي افترضه أرسطو في قانون المحاكاة.

د. ناظم عودة

جريدة الزمان اللندنية  1-6-  2003

 

مثلما يحاول الحداد أن يضع الحديد الساخن فوق  السندانة، ويبدأ الطرق عليه ليصنع  منه الأشكال التي يبغيها، يحاول الشاعر أديب كمال الدين أن يضـع الحرف فوق سندانة المعنى ويبدأ عملية الطرق بتناغم متصاعد حتّى يحصـل على شكل القصيدة التي تشكل بالتالي عالمه الخاص.

عدنان الصائغ

جريدة آخر خبر الاردنية 21 – 3 - 1994

 

من الواضـح انّ قصيدة أديب كمال الدين  خرجت من سلطة الحركة المقترحة  للعين في حركة صوتية مرئية وبمرجعية  تبحث عن تفرد ، وإن كانت تعود للتكثيف الصوتي من خلال مجاورة الحرف للكلمة، لكن ليس بغير  اقتران مع التأمل في تشكيل الحرف وهي القراءة التي يقترحها للحرف، وهي منهمكة في بحث الصلة بين النقطة والحرف فتتأمل في الحرف محتضنا في خانته العلوية النقطة، أو مرتكزاً عليها خانة سفلية، فتضفي للحرف المجرد بالرغم من تجريدها هي الأخرى معنى. 

صالح زامل حسين

جريدة الزمان اللندنية 10 -5 - 2002

 

  في (ملك الحروف) يتأرجح الشاعر بيـن ما هو عادي في الحياة وما هو سامي، تكاد أن تجذبه الحياة العادية إلى القــاع ثم فجأة يسمو بك طالعاً إلى السماء، وتبقى القصيدة في ذاتها غاية لا وسـيلة، ذلك ما تتلمسه في كل مقاطعها .إنها تأوهات رجل عاشق، وأمير مهزوم وثوري محبط، وسكير لايجد ثمن خمرته، يفخر بنسبه وتتجاذبه العواطــف والأفكار. وبعد كل هذا فهو مغرم كبير بكل حرف، فامتلكت الحروف التي نمر عليها كأدوات للغة بطاقة شعرية لا حد لها، فتحولت إلى مخلوقات تهيج مشاعرنا وتثير فينا التساؤلات وتلك، لعمري، محاولة جديدة في الشـعر العربي ينبغي أن تدرس وتؤشر من قبل النقاد الدارسين.

فيصل عبد الحسن

جريدة العراق 8 – 4 - 1995

 

أديب كمال الدين هو الشاعر الصافي وسط زحام الشعراء هذه الايام، يكتب شعره بوجع لذيذ وله خطابه الشعري الواضح وهو يمارس لعبته السحرية مع الحروف، حتّى أكاد أظن أنَّ هذا الشاعر يمارس الغواية بمنتهاها مع الحرف حين يقرر كتابة قصيدة جديدة

حسن النواب

جريدة الزمان اللندنية 11 – 8 - 2001

 

إنَّ لمعة الشعري واستعادته في هذا النصوص تستقطب قصدية الكلام وحضورية التسميات، لأنّ (الامتداد الحروفي) أو غواية الحرف في الكشف عن صور الذات أو أيقونة  الكائن، تمثل استعارة كبرى تجوهر الوجود وشروعاته حيث يكتب الجسد نصه سائحا في الامتداد وهو يواجه اللامتناهي والفناء والخطيئة ويمارس  نقائضه مع الوقائع التي يستجلبها إلى نص الاخبارأو نص التطهير.  وبذلك استطاع الشاعر أديب كمال الدين  أن يقدم (نصه الخبري) وكأنه لوغوس ينشر إفادته ورؤيته في مسائل الكينونة والكم وينبىء عن صور الحلول/ الفناء بوصوله إلى المعنى/ تعالي الرتبـة/ كشوف السر. 

علي حسن الفواز

جريدة القادسية 11 – 6 - 1996

 

إنَّ الشاعر لا يريد أنْ يشخص حرفاً بذاته بل يبحث عن حرف يوازي موته وهكذا يستمر البحث في أرض تتسع لأكثر من رحلة فالشـاعر هـوالذي لا يهدأ والحروف هي الطريدة.

جمال جاسم أمين

 جريدة القادسية 1 – 7 - 1996

 

يؤسس الشاعر أديب كمال الدين للبدهي واليومي حيث يقوم بعجن الحقيقة بيديه، وهو يستحضر الزمني الما قبل تاريخي، والمستقبلي الذي تبلغ فيه ذروة الحداثة. إنه يوظف (المابعد) زمني لتأسيس رؤاه القائمة على (الما قبل) هذه، ليحقق من خلالها نبوءته الخاصة.                                                            

د. إسماعيل نوري الربيعي

عمّان 19-4-2002

 

 

إنَّ هذه تجربة أديب كمال الدين تشكل قفزة نوعية في ميدانها، لأنها تؤسس لمعطيات جديدة تخدم مسيرة الشاعر  بالرغم من كونه لا يعد مكتشف جنس أدبي جديد أو قصيدة لها قوانينها الجديدة المبتكرة كما فعل السياب ذلك . لكنه يعد مكتشف طريقه خاصة به في كتابة القصيدة

د . قيس كاظم الجنابي

مجلة الموقف الأدبي آب 1999  

 

إنَّ مافعله الشاعر أديب كمال الدين على مستوى المنجز الشعري ليس سهلاً، فهو أراد أن تكون لغة منظورة، أي ذات بعد فني لذلك حاول الاعتماد على المختزلات (النقطة والحرف) ليؤلف بين ماهو داخلي وما هو خارجي، ويمازج بين ماهو زماني وما هو مكاني في ما يخص حقيقة الوجود الإنساني الذي لا يقرّ له قرار. 

رياض عبد الواحد

جريدة العراق 15 – 1 - 2000

 

إنَّ من يتأمل في شعره يرسم شخصيتين للذات الواحدة، الأولى ذات بناء قوامه الشكلانية  في رصد الظواهر بلا استجابة لإغراءاته التجريدية البحتة، والثانية من الأحلام والعواطف المحكومة بوسائل المعرفة والاخلاق والتغني بالحياة.

أمير الحلاج

 جريدة العرب اللندنية  15- 1 - 2001

 

إنَّ الحرف لدى الشاعر أديب كمال الدين ليس مؤسسة لاجراء كيفيات شعرية متنوعة وإنما هو قدره الذي سيلازمه إلى النهاية.

فائز ناصر الكنعاني

جريدة العراق 2 – 2 - 2002

 

يعمل أديب كمال الدين على خلق تجانس صوري مكثف لإيصال فكرة النص، هذا التجانس الذي يظهر مقدرته التخيلية والتي يطرحها على شكل جمل موجزة مكثفة تحمل غاية الادهاش. إنَّ إمكانية الشاعر الفذة تظهر من خلال محاولته في إيصال عالم منظور بعالم آخر أكثر عمقاً وجمالاً. تشكل هذه الرؤية في مجملها خلاصة لتجربته الصوفية.

هشام العيسى

جريدة الزمان اللندنية 11 – 2 - 2002

 

 

انتهى

 

adeeb@live.com.au

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية  اتصل   مقالات عن الشاعر   سجل الزوار