بسم الله الرحمن الرحيم

النقطة

شعر: أديب كمال الدين

الطبعة الأولى– بغداد 1999

الطبعة الثانية - عمّان- بيروت – المؤسسة العامة للدراسات والنشر 2001

 

 قصائد (النقطة)

 

محاولة في الرثاء

محاولة في السحر

محاولة في أنا النقطة

محاولة في دم النقطة

محاولة في الطيران

محاولة في الموسيقى

محاولة في الحروف

محاولة في الاحتفال

محاولة في الذكرى

محاولة في الانتظار

محاولة في سؤال النقطة

محاولة في العزلة

محاولة في السياحة

محاولة في الكتابة

محاولة في دخول النقطة

محاولة في الفرات

محاولة في اللقاء

محاولة في حقيقة النقطة

محاولة في الهاء

محاولة في الصوت

محاولة في القهقهة

محاولة في الإبصار

محاولة في فرح النقطة

محاولة في البهجة

محاولة في الجنون

محاولة في هاملت

محاولة في النافذة

محاولة في الحبّ

محاولة في الحظ

محاولة في الرصاصة

آراء 

 

  

 

 محاولة في الرثاء

        

(1)

في الأربعين

في العامِ الأربعين

جلستُ على بابِ الحُلْم

كان الحُلْم نحيلاً كموعدٍ ضائع

طيّباً كنارٍ بدوية

وكان ورقُ اللعبِ يظهرُ صورته

بالتاجِ وبغيره

في الزيّ الرسميّ وبالعقال

فانتبهتُ إلى صمته

وبكيتُ رقّته اللؤلؤية.

(2)

في الصيحةِ الأربعين

قلتُ:

أيها الحلم

يا مَن يظهر ورقُ اللعبِ صورته

يميناً ويساراً

يسارا ًويميناً

كم افتقدنا عطفك

كم افتقدنا ركوبكَ الخيل والمساءات

سائلا ًعنا نحن الحروف التي بلا نقاط

والنقاط التي بلا مستقبل

والمستقبل الذي بلا معنى

والمعنى الذي بلا مغزى

والمغزى الذي يقودنا بوحشيةٍ إلى ساحةِ الموت.

(3)

في الليلةِ الأربعين

سقطتْ صيحتي

فجمعتُ زجاجها بلساني الجريح

كانت الصيحةُ مرسومةً بالحاء

كانت الصيحةُ طفوليةً كالماء

قلتُ:

يا مَن يظهر ورقُ الزمنِ صورتهُ النحيلة

أعلى وأسفل

أسفل وأعلى

أنتَ إلى الهاءِ أقرب

وأنا إلى الحاءِ أقرب

فكيف آسى على جبينكَ الملكي

أنا الذي بنيتُ المأساةَ بدمي

وفراري من الأسدِ المزيّفِ الذي أكل كبدي؟

(4)

في الخزانة الأربعين

تضاءلت الشموسُ واختفى كلُّ شيء

لم تكن دجلة بمدادِ الحبرِ مرسومةً

ولا بمدادِ الدم

ولا بأيّ شيء

كأنّ دجلة لم تكن!

فعجبتُ من تخاذلي                  

وارتباك رواياتي

لكنّ خزانتكَ – خزانة التاريخ – أعجب.

وروايتكَ – رواية المقهورين – أتم.

(5)

في الطعنةِ الأربعين

أجلسُ قرب شجرتكَ: شجرةِ التين

وأقول لها:

يا شجرة مَن تظهرُ الأشجار صورته

كلّ آنٍ وحين

ها أنذا قربكِ في عواصمِ الجوع

أدعو الله أن يؤيدكِ بالثمر

علّي أشبع

ويؤيدكِ بالماء

علّي أرتوي

ويؤيدكِ بالكتابة

علّي أكتب نشيدي للحلم

الذي يظهر الترابُ صورتهُ

طيّبا كموعدٍ ضائع

نحيلاً كنارٍ بدوية.

(6)

في البابِ الأربعين

لم يكن الحلمُ ليأبه لصيحاتي وحشرجتي

لم يكن يأبه لعريي وضياعي

كان الحلم ُهناك…

ليس مع ملكاته

ليس مع خدمهِ وحشمه

ليس مع حراسهِ وعرشهِ وذهبه

ليس مع مَن يأتمرون بإشارته

كان الحلمُ هناك…

مقتولاً

كحرفٍ سقطَ من فمٍ أخرس

كموعدِ حبّ مزّقته السكاكين

كنارٍ طيّبةٍ بالتْ عليها الكلاب.

 

محاولة في السحر

إلى: د. بشرى موسى صالح

 

 (1)

في ظهيرةٍ تموزية

جلستُ تحت سنّ الشمس

فطحنني الحرّ حتّى ابتلّتْ ثيابي

وقلبي وأصابعي

وسقطتْ من عيني دمعتان

انقلبتا، بقدرة قادر، إلى ساحرين

ثم سقطتْ دمعتان

فصار السحرةُ أربعة

تحلّقوا حولي بهدوء

(لِمَ تبكي؟) سألوني بصوتٍ خفيض

قلتُ لهم: أتعبتني الشمس

وسلّ قلبي مرآى الجمال

أنا المحروم حدّ اللعنة

وعذّبني الجوع

والرغيفُ هنا مغموس بالدم

وأثقلني الفراتُ بالندم.

قال أولهم: أنا من الهند

أستطيع أن ألبسك ثيابَ الذهب.

وقال ثانيهم: أنا من اللامكان

أستطيع أن أطير بكَ من غيمةٍ إلى غيمة.

وقال ثالثهم: أنا من عاد وثمود

أنا من يعطيكَ سرّ اللذة.

وقال رابعهم: أنا من الصين

أنا من يجعل الحلمَ بابَ اليقين.

قلتُ لهم: عجّلوا عجّلوا

فلقد دفنني الحرمان

كما يدفن الزلزال

جيشاً قوامه ألف فارس.

(2)

في اليوم الثاني

جلستُ مرتدياً ثياب الذهب

وتحت قدمي غيمة صغيرة جميلة

وامرأة أحلى من العسل

وأصابع كفّ تجعل الحلمَ – أيّ حلم –

بابَ اليقين.

(3)

لكن الشمس إذ توسّطت السماء

ذابتْ خيوطُ الذهب

فبدتْ ثيابي مهلهلة

وذابت الغيمةُ الصغيرةُ الجميلة

فبدتْ قدمي قبيحة

وذابت امرأةُ العسل

فبدتْ شفتي مرّةً كالسمّ

وذابتْ كفّ الحلم

حتّى تحوّلتْ إلى أصابع هيكل عظمي

فصرختُ: يادموعي يا إخوتي يا أصحابي

أين أنتم؟

أين أسراركم واشاراتكم؟

(4)

صمت السحرةُ الأربعة

لكن رابعهم أشفق على قلبي المحطّم

كمرآة أعمى

قال: أتريد الثبات لا الزوال؟

قلتُ: نعم.

قال: لا سبيل إلى ذاك المقال

إلاّ إذا تلمّستَ شيئاً من روحنا

فأومأ الثلاثةُ بالايجاب.

ثم قام أولهم عارياً من كلّ شيء

قال: سنفعل

سنعطيكَ حروفنا أيّهذا المُعَذّب

ونعلّمكَ نقاطنا أيّهذا المحروم

لكننا نخاف إن تعلّمتها

أن تسخرَ من الذهبِ وثيابِ الذهب

أن تسخرَ من البلدان

أن تسخرَ من الأثداءِ والسيقان

أن تسخرَ من الأحلام

فتكون مثلنا فارغاً

بارداً

ضائعاً

عارياً للأبد. 

 

محاولة في أنا النقطة 

 

 

أنا النقطة

أنا بريقُ سيفِ الأصلع البطين

أنا خرافةُ الثوراتِ وثورات الخرافة

أنا معنى اللامعنى وجدوى اللاجدوى

أنا دم أخذته السماء ولم تعطه الأرض

أنا بقية مَن لا بقية له

أنا الفرات قتيلاً ودجلة مدججة بالإثم

أنا ألف جريح

ونون فتحتْ لبّها لمن هبّ ودبّ.

 

 

أنا النقطة

أنا خرافة العصر وسرّته

بحثتُ عن اسمي لم أجده مع الهراطقة

ولا مع الزنادقة ولا العبادلة

ولا مع الرهبان ولا الكرادلة

ولا مع المهزومين ولا المنتصرين

ولا مع المتمترسين ولا المهاجرين

ولا مع الطبالين ولا اللصوص.

 

 

أنا النقطة

فيّ احتوى العالمُ الأكبر

والألمُ الأفدح

فيّ اختفتْ ابتسامةُ الطفل وحفيفُ الشجرة

فيّ اختفتْ موجةُ البحر وندى الربيع

فيّ تجمهر الماضي

وخرج باتجاه المستقبل في مظاهرةٍ حاشدة.

 

 

أنا النقطة

عرفتُ الحقيقةَ وعجنتها بيدي

قبل أن يصل الإنسان إلى الكلمة

وقبل أن يصل إلى القمر

وقبل أن يبتكر المقابر الجماعية

بل انني عرفتُ الحقيقةَ عارية

عري هابيل وقابيل

فأعطيتها ملابسي المثقوبة

ورعبي الذي اتسع فشمل آسيا الطغاة

                              وأفريقيا المجاعة

                             وأمريكا الأعاجيب.

 

 

أنا النقطة

أنا مَن يهجوكم جميعاً

أيتها الحروف الميتة

سأهجو نفاقكم وسخفكم

سأهجو أكاذيبكم وترّهاتكم

وكفاحكم من أجل الأفخاذ والسياط وكؤوس العرق.

 

آ...

ما أشدّ حزني

ما أعمق دمعتي التي وسعتْ آلامَ البشر

ما أفدح خطيئتي: خطيئة المعرفة

ما أعظم زلزالي وخرابي الكبير

أنا النقطة.

 

محاولة في دم النقطة

 

(1)

خرجت النقطةُ من الباب

كانتْ عسلاً أسود

فتبعها كلُّ ذبابِ الزمن.

(2)

كانت النقطةُ جوهرة

جوهرة بحجم تفاحة كبيرة

حملها طفل مدهوش ببريقها

فتبعه كلُّ لصوصِ المدن.

(3)

كانت النقطة ُحلماً مليئاً بالدفء الباذخ

خرج إليَّ ليعوضني عن يتمي وهلْوَسَتي

فتبعه كلُّ أنين القصائد الحيّة والميّتة.

(4)

كانت النقطةُ طفلة / امرأة

خرجت إليّ بثديين غامضين

وعينين مفتونتين

وشفتين ذاهلتين

فتبعها كلُّ وحوش المعمورة.

(5)

كانت النقطة نوراً يلفّ كلّ شيء

نوراً خرج لينير سواد طفولتي

فحأول قتله كلُّ ظلام الأرض.

(6)

كانت النقطةُ نقطتي

لكنْ حين لعبنا طفلين مسحورين

على سريرِ اللذةِ الأحمر

تحوّلت النقطةُ إلى خرافة

ثم إلى هزأة

ثم إلى مهرّج

وحين عضّها الزمنُ بنابه

تحولتْ إلى سيركٍ عظيم

لا بداية له ولا نهاية.

(7)

كانت النقطةُ كريمةً حد الجنون

(أذكرُ أنها قررتْ حرقَ نفسها

إن تركتها دون حرف)

لكني تركتها كأيّ مجنون

لم يستطعْ أن يسيطر على ضربات قلبه

وهو يتلمّس صندوق الليرات العظيم.

وحين تحوّل ندمي إلى أسطورة

لم أجد ما أحرق به نفسي

سوى حروفي الباردة.

(8)

كانت النقطة ُتمسكُ الشمسَ بيد

وتمسك الحلمَ بيد أخرى

وحين قبّلتها قرّرتْ أن تعطيني

ملعقةً من شمس العالم

وكأساً من حلم السرير

لكني إذ ذقتُ دفءَ الشمس

احترقتُ بزهوي

وإذ لمستُ كأسَ السرير

جننتُ بشبابي

فكيف يمكنني أن أكتب قصيدتي

بعد أن سقطتْ منها الملعقةُ والكأس؟

(9)

كانت النقطةُ دمَ الجمال

 دمَ المراهقة

 دمَ اللذة

 دمَ السكاكين

 دمَ الدموع

 دمَ الخرافة

 دمَ الطائر المذبوح

كانت النقطةُ دمي

أنا تمثال الشمع.

 

    محاولة في الطيران

    

(1)

طار اللقلق

لقلقُ طفولتي

بعيداً بعيداً

غير أنّ اللقاء به

ظلّ حلماً ينمو فيّ

كما تنمو النارُ في فوهة البركان.

(2)

واأسفاه يا حروفي الغامضات

واأسفاه  يا نسائي الضائعات

واأسفاه يا أقنعتي التي لا تكفّ عن فضحي

واأسفاه يا سنيني التي تلاحقُ بعضها بعضاً

دون معنى أو بعض معنى

واأسفاه يا عريي الذي أحاط بي

كما يحيط الجنودُ برجلٍ أعزل.

(3)

في أزمنةِ الكراسي السود

تصغرُ أحلامُ الطيران كلّ يوم

تصغر

تصغر

حتّى تصبح بحجم حبّة رمل.

(4)

مَن أنتِ

حتّى أكتب إليكِ الياذتي المعاصرة؟!

اكشفي عن أنانيتك

حتّى أريكِ يتمي

واكشفي لي عن بخلك

حتّى أريكِ نخلتي

واكشفي لي عن غموضكِ ومؤامراتك

حتّى أريكِ وضوحي وسذاجتي

واكشفي لي عن موتك

حتّى أريكِ قيامتي!

(5)

لستُ سوى طفل

سقط في البحر.. بحر الحروف

فغرق حتّى بكته الحروف.

لستُ سوى راهب

تعرّتْ أمامه بنفسجة بضّة بيضاء

فارتجف طوال حياته.

لستُ سوى ريشة

سقطتْ من طيرٍ ذبيح

لستُ سوى سين التسويف

والمماطلة والمجيء الذي لا يجيء.

(6)

يا لقلقي

متى تجيء حتّى أكفّ عن البكاء؟

متى تحطّ حتّى أكفّ عن الدموع؟

متى تحطّ حتّى ألمس السعادة

في منقاركَ الدافئ

وأحسّ بصباي

يضحك في بياضِ ريشكِ العجيب؟

(7)

لا يزال اللقلقُ يحومُ حول قلبي

قلبي الذي صادره الموتُ والجوعُ والنار

قلبي الذي صادره حلمُ الطيران

فما الذي سأفعله

أنا الذي لا أملك يدين للكلام

ولا ساقين للطيران

ولا شفتين للتذكّر

ولا ذاكرةً لمزاولة السحر

ولا سحراً لاقتناص لقلقي العجيب؟

 

محاولة في الموسيقى

 

 (1)

الموسيقى تهبطُ تهبط

طيراً وعنقودَ عنبٍ وشلال ماء

فيطيرُ قلبي مع الطير

لكنّ يدي لا تمسكه،

ويلامس العنقود شفاهي

لكنْ لا سكين حبّ تقطع فراغنا الجارح

والشلال يأتيني فأكون الماء لألقاه

لكني أصطدم بصخرته الكبيرة

وأغرق.

(2)

حتّى الحروف صارتْ تتعبني

فهي الوحيدة التي تزورني في وحشتي الكبرى

دون أن تحمل في يدها باقة شمس

أو حفنة قمر

أو قبلات ريش.

(3)

الكلّ يتبرقعُ بثياب غيره..

إلاّي

ولما لم أجد ما أتبرقع به

خرجتُ إلى الشارع عارياً..

عارياً تماماً!

(4)

الموسيقى تهبط بلاماتٍ عذبةٍ كشفاه الأطفال

وراءاتٍ تزقزقُ وسيناتٍ توسوس

وندى من نونات.

(5)

الموسيقى تجيء

فأقومُ من الموت إليها

لنلتقي طفلين يتيمين

يتحسران على أرجوحة العيد.

(6)

منذ أن تعرّفتُ إلى دمي

وجدته محاصراً بالطيور

ومنذ أن تعرّفتُ إلى قلبي

وجدته ممتلئاً بالأبجديات.

(7)

السعادةُ راقصةُ بالية

والحزنُ بدويّ يفترشُ الأرض

ليعزف على الربابة.

(8)

أعجبني موتي

وحين حاولتُ أن أكرره

جننت!

(9)

الموسيقى تهبطُ.. تهبط

والروح تضيعُ.. .. .. .. وتمّحي.

(10)

الموسيقى تذوبُ كما تذوبُ الفضة

وتنام كما ينام العشاق الذين أتعبهم طول الفراق

ووطأة الهجر

الموسيقى تتألق فتحوّل الأحزان إلى حاء

وتحوّل الحاء إلى حرّية

ترقص كما يرقص الجنّي.

(11)

يا للجمال!

الموسيقى تتموسق

والحروف تتألق.

(12)

يفرح الثريّ بجواري الفنادق

ويفرح المغني بدنانير الملاهي

ويفرح زيرُ النساءِ بعشيقته الجديدة

أما أنا فكالموسيقى

لا أفرح إلاّ بنفسي

ولا أندمج إلاّ بنقاطي وحروفي.

(13)

إلى متى يعذبني نزيفُ الحروف:

احتجاجُ الحاءات

وضياعُ الراءات في ذكرى المدن الضائعة

ونفاقُ السينات

وانكفاءُ الباءاتِ حتّى الموت

يا إلهي..

إلى متى يعذّبني نزيفُ الحروف؟

 

محاولة في الحروف

 

نون

***

سقطت النون

وتحوّلتْ إلى عاشقٍ أبله

وامرأةٍ أذلّها الدهر

فسلبَ منها طيورها الأربعة

وشبابيكها الأربعة

وتاءِ لذتها التي ألقت القبض عليّ

بتهمة التلصص.

 

 باء

***

أنتِ لي

أنتِ مائدتي التي هجمَ عليها الوحوشُ المهذّبون

فكسروا أقدامها الأربعة

وأكلوا ماعليها

حتّى أتوا على خشبها الجميل

فهشّموه بسكاكينهم الطوال

فلم يبقَ لي منكِ سوى النقطة:

نقطة الدم.

 

راء

***

الفراتُ مدين لي بكثير من الاحترام

لأنني سفحتُ طفولتي بين يديه.

 

جيم

***

جيمُ الجنونِ والجوعِ والجنّ

جيمُ الجثةِ والجنسِ والجلجلة

أطلقتكِ فخاف منكِ الناقدُ الوصوليّ

والناشرُ اللص

وأحبّكِ القارئ الذي لا تفارق الكوابيسُ فراشه،

القارئ الذي يمشي عارياً

آناء الليل وأطراف النهار

تماماً كقابيل وهابيل.

 

ألف

***

كلّ يوم أطلق عليكَ النار ولا تموت

أشفق عليك لأنكَ قويّ كالثور المجنّح

ووحيد كمرآة أعمى

وغامض كرأسٍ مقطوع

ووحشيّ كدبابةٍ تسحقُ طفلاً

وضائع كحرفٍ لا نقطة فيه

وساذج كأنكيدو

وخاسر ككلكامش

أشفق عليك َلأنكَ تشبهني تماماً

لأنكَ أنا!

 

حاء

***

من أجلكِ رضيتُ بالجوعِ غيمةً

والعزلة أرضاً وسوراً

من أجلكِ افتتنتُ بالموت

وأطلقتُ الحروفَ في غرفتي

فطارتْ نسوراً وصقوراً،

عصافير وبلابل،

نحلات وحمامات

بُوَماً وشواهين

فارتبكتُ

لأنّ غرفتي ضيّقة

ولأنّ حرب الطيور بدتْ مليئةً بالرعب.

 

سين

***

قالت سكينة النور: ما للشعر والحروف؟

قلتُ: حتّى أرسم ملامحَ وجهي وصيحات قلبي

       في كتابٍ جديد.

قالت: عليكَ، إذن، بالسين

       ففيها السكينة والسمّ والسكّين.

 

زاي

***

الزمن ذبابة

لا تتركني أنام وقت القيلولة.

 

كاف 

***

أمام قدميكِ مُلقى

بللني الدمعُ وطحنتني شمسُ آب

فخذيني إليك

خذيني فعلى الرماحِ حُمِلَ رأسي

وعلى الورقةِ البيضاءِ سُفِحَ  شبابي

وفي التستّر أضحيتُ طفلاً أضاع أهله