جيم

 

شعر: أديب كمال الدين

 

 

 

  جيم - دار الشؤون الثقافية العامة - 1989 – بغداد

 

 

قصائد (جيم)

 

 

إشارات التوحيدي

الشهيد

العقاب والبلبل والعصفور والهدهد

مأدبة السيدة

أبجدية البحر

المعرّي في التيه

أرق

الرجل

الأربعاء: الخميس

برقيتان

أساطير

جيم

الثعالب

طيور

كهيعص

طلسم

 

 

 

 

 

 أديب كمال الدين

 

ولد الشاعر أديب كمال الدين في بابل – العراق عام 1953 وأكمل دراسته الجامعية ببغداد  ليحصل على بكلوريسين الأول في الاقتصاد من كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة بغداد1976  والثاني في الأدب الانكليزي من كلية اللغات – جامعة بغداد 1999 مع دبلوم الترجمة الفورية - المعهد التقني لولاية جنوب أستراليا – 2005.

أصدر المجاميع الشعرية: تفاصيل 1976، ديوان عربي 1981 ، جيم 1989 ،نون 1993، أخبار المعنى 1996، النقطة 1999 ، حاء 2002 ، ما قبل الحرف...ما بعد النقطة 2006، شجرة الحروف 2007.

 كُتبت عن تجربته التي تستلهم الحرف العربي مجموعة كبيرة من الدراسات والبحوث النقدية من قبل نقاد عراقيين وعرب. كما تُرجِمتْ قصائده إلى الانكليزية والفرنسية والالمانية والرومانية والايطالية والإسبانية والكردية ونُشِرتْ في مختارات شعرية عراقية وعربية وأرجنتينية وإسبانية وأسترالية. كما شارك في العديد من المهرجانات الشعرية في العراق والأردن وأستراليا وفي ربيع الشعر(ملتقى الشعر العراقي – الفرنسي2000). عضو في عدد من المؤسسات الأدبية والصحفية والترجمية العراقية والعربية والأسترالية. ترجم إلى العربية أعمالاً أدبية وشعرية لشعراء وكتاب من أمريكا والمانيا والصين واليابان وأستراليا ونيوزيلندا وكوريا والهند. يقيم حاليا في أستراليا. موقعه الالكتروني:

www.adeb.netfirms.com

عنوانه الالكتروني:

adeebkamal@hotmail.com

 

 

 إشارات التوحيدي

 

 إشارة الفجر

*********

 لو أنزلنا هذا الفجرَ المحمومَ على جبلٍ للغيرةِ والشمسِ

لرأيتَ الماءَ سعيداً..

والطيرَ يغنّي شيئاً

عن ذاكرةِ العشب

لو أنزلنا هذا الفجرَ الأسودْ

وعلى وطنٍ للحبّ

لرأيتَ الزهرَ الدافىءَ ينمو..

يلتفُّ على الجسدين وحيداً

ويمشط ُ شَعْرَ القلبْ

بأصابعَ من ندم أخضرْ

ويمشط شَعْرَ القـُبُلات

بأصابعَ من بلّورْ

      لدنٍ أزرقْ

لو أنزلنا هذا الفجرَ المسجونَ على أرض ٍ

لا تنمو فيها الخيبةُ والصحراءْ

لرأيتَ الأقمارَ تجيءُ..

الأبوابَ البيضاءَ تقومُ عذارى

لرأيتَ الفجرَ عجيباً..

يحكي برنين الماء

عن خفق الحبِ وفاكهةِ الله.

 

إشارة الشكوى

*********

 ليس كَمِثلي إنْ أرادَ البكاءْ

أنهارُ بحرٍ أطفِئتْ في رمادْ

أو شجر ممتلىء بالثمرِ الناضجِ قد

ضُيّع وَسْطَ الوهادْ

أو وردة موعودة بالحبّ قد أحْرِقَتْ

أو قُبْلة قد حُوصرتْ

مثل بريءٍ يُقادْ

بين صهيلِ الحرابْ

ليسَ كَمِثلي إن أرادَ الرّحيلْ

كثبانُ رملٍ تختفي في رياحْ.

 

 إشارة المدن

*********

مُدُن: مأوى لرغيفٍ مُحْتضرٍ

ورغيف مغموس بالشهدْ

مأوى للكوخ ِ المهدومِ، القصر ِالملآنْ

بالمرمرِ والغلمانْ

مأوى لشوارعَ قد سُقِيتْ بالرغبةْ

برحيق ِالوردةْ..

لسيوفٍ تخفي..

جسدَ امرأةٍ من دُرّ ملتهبٍ..

تترجلُ من هودجها الأسودْ.

 

مُدُن: مأوى للسّراقِ، الشرطةْ

للشحّاذين، الخيلِ، البقّالينْ

مأوى لنساءٍ شَبِقاتٍ،

أطفال ضاعوا، أرصفةٍ لا تحوي إلاّ غُرباءْ.

 

 إشارة التهويمات

 *********

هَوّمتُ، إذنْ، في صحراءِ الله

هَوّمتُ، معي خطوات دمي

وزُجاجات الفجر الثكْلى

هَوّمتُ... أنا روحُ العشب ِ

عنقُ العُصفورِ وذاكرةُ التُفّاحْ،

وجعُ الطين ِالأسودْ

لأمنّي الروح بأرض تُؤوي جذري المنفيّ..

لَعلّي أَلقى مَنْ سَمّاها

مَنْ قالَ لذاكرة ِالتُفّاحْ:

كوني... كانتْ شجراً محترقاً..

يلتفّ ُعلى الماءْ 

لا ماءْ!

 

 إشارة السؤال

*********

 قَلب يُدْهُشهُ الماءُ ويغريه العُشب

قلب مِن ورق الرغبةْ

يتساءلُ عن جسد ِالعمر المجنونْ

لِمَ  يأتي أو يرحل؟

ولماذا تبدو الدنيا عند الحُرّاس

حُلماً يهمي كالماءِ الهادىءِ في ساقيةٍ مُعشبةٍ

ملأى باللؤلؤ والمرْجانْ؟

.. تبدو عند الناس

كدراهم تُلْقى في النهر الجارفْ،

ذكرى  لكؤوسٍ قد مُلئتْ بالريحْ؟

 

 إشارة الهزيمة

*********

 (الصوت):

أأبا حيّانْ

من بعدِ ليالٍ معدودةْ

ستفارقُ هذي المعمورةْ

فَتنـّبـهْ!

فالعمر ُبه ِشيءُ ظلّ

أعطهْ

ما يسكنُ فيه

جسداً يطربه..

ثوباً يلتفّ عليه

صفحات ٍتكتبُها وتنادي فيها العُقبانْ

بعصافير الغدرانْ

أأبا حيّان

كنْ

رجُلَ الذهب ِالمتناثر والغلمان المسرورين!

(التوحيدي)

آه ٍ يكفي

فأنا رجل أدّبتُ لساني..

حتّى استخفى في الصمتِ

بقناعِ نبيّ.

 

إشارة الموت

**********

المـوتْ!

ضيف مهذارْ

ضيف لم يدعَ إلى شيءٍ، لكنّي الليلة أدعوه

لبقايا..

جسدٍ معطوبٍ، أدعوهْ

لزمان ماعَرفتْ أشجارُ الروح ِ به إلاّ

أوراق دمٍ وزعانف من ألمٍ أزرقْ

عرفتْ عيناي به، عبثاً، ثوبَ الملكوتْ

فأغمغمُ محموماً من كأسٍ..

تتحدثُ عن أزهارٍ تطلعُ صابرةً من بين القضبانْ

ويعربدُ في قلبي الجوع.

  

 إشارة الحريق

*********

احترقي تهويمة الروح وفجرالكلماتْ 

احترقي.. ماذا جنيتُ من هوانا الضائعِ المضطربِ

إلاّ دموعاً تغتدي كوردةٍ من لهبِ

أو حسرةً ما تنتهي

غادرة أنتِ إذنْ

بل هزأة: "مستفعلن" سيدتي!

 

هيا ارقصي يا نارُ يا بحر الشواظْ

أصابعي ومعصمي

في قلبكِ المقدّدِ

هيا ارقصي.. وهيّئي مائدةً بكأسها المزدهرِ

من جسدي المحترقِِ.

 

إشارة الرؤيا

*********

 (أ)

الرحمن

خلقَ الإنسانْ

علّمه ما لم يعلمْ..

علّمه ما كان يكون

ما لم يكُ في الحسبانْ.

 

المأساة اتسعتْ، مَن لي يا ذاكرة خَرِبةْ

أن أقرأ أوجاعي

والشاطئ مهجوراً يهذي

بأناشيد الهمّ ِ

المأساة اتسعتْ، فبأيّ أقترحُ الليلةْ

فرحي الربانيّ..

أقود الليل أسيراً

والبحر صديقاً..

والصخر ودوداً والمرأة..

كأساً مُلئتْ بالفجرِ، غناءِ العشبِ،

ألقِ الأقمارْ.

 

الرحمن

خلقَ الأكوان وسلّمني مفتاحَ الأرض وبايعني

طفلا ممتلئاً..

لكنْ قد عذّبني الجندُ

إذ آلمني أرقُ الليلِ المطعون، فشرّدني السلطانْ

فبأيّ أقترحُ الليلة معراجي..

وأقود مماليكي، شمسي وغيومي نحو الله؟

 

الرحمن

خلقَ الإنسان

آتاه الحكمةَ طيّعةً والبلبلَ والهدهدْ

لكنّ الأرض انذهلتْ

والمأساة اتسعتْ وتعرّتْ

والغربة قد كبرتْ

فأشيري يا كلمات الرحمة..

إنّ الإنسان بحسبانْ.

(ب)

كثر اللغطُ

وبدتْ صيحاتُ الآخر فاتنةً بعلامات الابهامْ!

فعجبتُ، دهشتُ، وقلتْ:

أوَ هذا جمركَ، حرفي، يا مَن تخفي..

ألقَ الأشياء وفاكهة الأيام؟

وعجبتُ عجبتْ

حتّى أنكرني

رأسي. لكنّي في عمقِ الضجّة

أبصرتُ طيورَ الله

تهبطُ في روحي

وتذيعُ بقلبي الأثمارْ

فنظرتُ إلى الضجّةْ

وصرختُ: سلاماً..

للهدأة إذ بزغتْ في روحي، مرحى

وفرحتُ بكيتْ

مثل العصفور العطشان

وجد الغدرانْ.

 

إشارة الختام

*********

 قال: إليّ إليّ..

أشارَ إلى جبل الرؤيا فصعدتُ، إلى جذر الأفلاك قرأت

روحَ الطفل

وعذابَ الأحفادْ

حتّى امتشقتْ كفّي السرّ الأعظمْ

كانت بيضاءْ

وهبطتُ بجنح الطيرْ

ونسيمِ الفجرِ

ورذاذ الشطآن.

******************************************************

 (1) (هو فرد الدنيا الذي لانظير له ذكاء وفطنة وفصاحة ومُكنة) هكذا يصف ياقوت الحموي في كتابه (إرشاد الأديب) علي بن محمد التوحيدي البغدادي المعروف بأبي حيان التوحيدي.وليست كلمات ياقوت هذه بجارية مجرى المبالغة أو آخذة بطريق المجاملة، البتة. فلقد كان التوحيدي بحق واحداً من أولئك الكتاب العظام الذين جالوا في النفس البشرية جولة عميقة وكشفوا عن طبقاتها الجوانية بشجاعة نادرة وبطريقة العارف الخبير، المعذب، الفصيح، المتفرد. وكتابه (الإشارات الإلهية) أفضل دليل على مانقول. لقد حمل التوحيدي خلال رحلة حياته همّ الأديب المكافح الأصيل الذي يحافظ بقوة، على كلمته ما استطاع من السقوط والابتذال. وقد دفع ثمن هذه الكلمة غالياً: عذاباً يومياً متصلاً وفقراً مدقعاً وشظفاً وتجاهلاً. حتّى  اضطر أواخر حياته إلى احراق كتبه بعد أن رأى أن لا طائل من ورائها. وقد قال عـن هذا الحدث: (إني جمعتُ أكثرها للناس ولطلب المثالة بينهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولمدّ الجاه عندهم، فحرمتُ ذلك كله. ولقد اضطررتُ في أوقاتٍ كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى مالا يُحسن بالحرّ أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم). أما أهم كتبه أو ما وصلت منها في الأدق، والتي أخرجها، أغلب الأمر، قبل أن يحرقها فهي: الإشارات الالهية، البصائر والذخائر، الامتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، مثالب الوزيرين، الهوامل والشوامل. توفي التوحيدي عام 414 هجرية.

 

 

 

 الشهيد

  

أورقتْ كلْمةُ الله أغصانَها

ورقةً ورقةً من دمي

أورقتْ كلْمةُ الله

لحظةَ الموتِ كنتُ اكتشفتُ الألمْ

دولةً، والندمْ

طعنةً، والندى صرخةً والعدمْ

لحظةَ الموت كنتُ اكتشفتُ النخيلْ

وتخيّلتُ أعذاقهُ لؤلؤاً في الظلام العتيْ

لحظةَ الموتِ أورقتُ حرفاً أليفاً 

من كتابِ الوداد

وتنشّقتُ عطرَ الطفولة..

وامتطيتُ حصانَ الزمانِ الفتيْ

لحظةَ الموت أعلنتُ حبيّ

ما تيسرّ من فرحة الأنبياءْ

ثم هيّأتُ مائدةً من دمي

كأسها، خبزها، ليلها البربريْ.

  

  

العقاب والبلبل والعصفور والهدهد 

 

 

(1) العقاب

********

*مختصر

 

يبدأ الشِعْرُ مِنْ حيثُ لا تفهمينْ

أنتِ مرثية وأنا

كلْمة بالغتْ في المحبّة

أحُرِقتْ جيداً

ثم ذُرّتْ رماداً صموتاً على وردةٍ عانسة

وردة تاجها البحرُ أغصانها قُبْلة

روحُها الليلُ: ليل النجوم التي تشتكي همّها للقبورِالوحيدةْ

أنتِ مرثية وأنا كلْمة من يقينْ.

 

 

يبدأ الشِعْرُ مِنْ حيثُ لا تعرفين

أنتِ مرثية طائشةْ

كلما سارعتْ شفتي بالكلامْ

أبدلتْ حزنها، لونَ اقراطها ومواعيدها

أبدلتْ قلبها والقناعْ

غادرتْ أرضَ حبّي البريئةْ

قمقماً مدهشاً في المياهِ التي تحتويهْ

وهي مجنونة بالعناقْ

أنتِ مرثيةُ طائشةْ

وأنا قاتلُ غرّرته الليالي التي لا تمرّ

دونما طعنةٍ أو ضحيةْ.

 

يبدأ الشِعرُ مِنْ حيثُ لا تشتهينْ

أنتِ مرثية ماجنةْ

أو قصائد ملعونة

تحتوي صوتَها البربري

كلما مزّقتْ ميسماً فاتناً..

كيف لي أن أغنّيكِ يا سيّدةْ

باسمي الصامتِ

أو أغنّيك يا سيدةْ

باسمكِ الصاخبِ

أنتِ مرثية ماجنةْ

وأنا المبتلى بالعناق، الصبا.

  

هكذا يبدأ الشِعرُ ياسيّدةْ

أنتِ مرثيتي وأنا حارسُ المقبرةْ.

 

 

*ضيوف

 

لم أتقنْ كيفَ أقود عصافيركِ للماءْ

في وحشةِ ليلٍ ناءْ

وأقود طيوركِ صوبَ الأزهار العبقةْ

في وحشةِ ليلٍ مجدوع ِالأنف

كانتْ لي ذاكرة خَرِبةْ

وسماء مرتجلةْ

لكنْ إذ غادرتِ

كيفَ تركتِ

بابَ الكوخِ الحجري

مفتوحاً للنمرِ الرعديدِ، القبّرةِ السكرى

والبومةِ والأسدِ المقطوعِ الرأسْ؟

 

*الوحوش

 

مالنا كلما أطلقَ البحرُ شطآنهُ

عانقتنا دفوفُ الوحوشْ؟

 

*ريشة العقاب

 

الكْلمةُ العنيدةْ

تصرخُ في أحلامِها

في برجها العتيد

أجلدها بالسوطِ كي تنامْ.

 

 (2) البلبل

********

 

*خلْق

 

سَيتمُّ الخلْقْ!

شَعر أسود يخطو في الريح البيضاء

وعيون من أرقٍ ونعاسْ

أنف بلّوطْ

وفم: أرق القدّاحْ.

سيتمُّ  الخلْقْ

أكملتُ الوجهْ

وإليَّ، إذن، برنين اللحم الحي

سيتمُّ الخلق: هنا أطرافُ الروحْ

وهنا تفّاح القلبين الغضّ

وهنا تفّاح الخطوات.

لحظات..

ثم امتلأت أرجاءُ البيتْ

بضياء أبيض كالفضّةْ

وحنينٍ أبيض كالفضّةْ

وحياة ملآى  بالفضّةْ

سيتمُّ الخلقْ

وأتتْ فاتحةً معطفها الذهبي

أسماءُ فصول ِالله.

 

تمَّ الخلقُ!

كان الطفلُ الساحرْ

منتشياً ببخور الحلمِ

وعظام الطيرِ الوحشي،

أسماءِ الجنِ القائظةِ السوداءْ.

 

*أنتِ

 

أنتِ أفشيتِ فيَّ المحبّةْ

واقترحتِ الفراقْ.

   

*الفرات 

 

كلما هَمّ قلبي بتقبيلها اكتشفتُ الفراتْ!

  

*حياة

 

يا لها طفلتي

كلّ يوم لها نزوة غامضةْ

كلّ يومٍ لها ما تشاءْ.

 

*ريشة البلبل

 

أنتِ أورقتِ فيَّ الهوى والصبا والغصونْ

أنت بادهتِني بالعلامةْ

ثم قبلتِني، فجأةً، في العيونْ

لحظة فاكتفيتِ

ثم أورقتِ فيَّ الخصامَ وتوجّتِني

ملكاً للجنونْ.

  

(3) العصفور

***********

 

*الغرفة واللوحة

 

الغرفةُ كانتْ مقفلةً

وأنا مثل الزيت الموضوع حديثاً قرب قماش اللوحةْ

قلقا ًأهتزُّ بقلبي

كانَ اللونُ الأبيضْ

لقماشِ اللوحةِ أهدأ من وجهٍ مُثْلجْ

والوردُ الطالعُ من قلبي

- يا مَنْ تحوي كلّ الأسماء-

منتظراً..

مطراً يخرجهُ

بخطى أطفالٍ من مرحٍ

من غيمِ قرونِ الوحشةْ.

 

الثلجُ على الأكتافْ

اللونُ الأبيضُ يشرقُ هذي المرّة منحنياً كالصبيّر الرائعْ

الغرفةُ قانعة بالصمتْ

وأنا أخفي أنفاسي..

مسحوراً مِن خفْقِ الحلمِ الأسودِ..

لا أقدر ـ  يا مَنْ تحوي كلَّ الأسوارْ ـ

أن أمسك شيئاً..البتّةْ.

 

ما يحدثُ لو قنعتْ هذي الغرفةْ

باللحظة صاخبة كالينبوعِ المتدفقِ وسط الصحراء؟

فبأيّ رموزٍ للفرحِ المجنونِ ستحكيها عينايْ؟

وبأيّ قواميس للفتنةِ أخلقها حتّى أصفَ..

النوم َالممتلىءَ الأردافِ وأيّة أكوانٍ رائعةٍ..

ستجيء إلى شفتّي تعانقني

وتعانق مصيدة البهجةْ؟

 

يا مملكةَ الصمتِ لقد أثقلني الصمت

أثقلني مَن يخفي دائرةَ الزغبِ الرمليّ السوداءْ

أثقلني الثلجُ المتساقطُ فوق الأكتافْ

أثقلني قلب كالزيت

يعدو بخطى غزلانٍ من مرح

لكنّ الغرفة مقفلة

الغرفة راضية بالصمتِ، الثلجْ

واللوحة ـ  يا مَن تحوي كلّ الأسماء ـ

ببياضِ الثلجِ الأسودِ تكبرُ تكبرُ تكبرْ.

 

* الجسد

 

يفيضُ هذا الجسدُ المجنونْ

بالحبِّ والمجونْ!

  

*هي تقول، أنا أقول

 

كلْمةً إذ تقولْ

تجعلُ النبعَ نهراً

والصحارى لقاءْ

كلمةً إذ أقولْ

يقتفي الجرحُ أسماءَهُ

وتضيعُ السماءْ.

 

 

*الغرفة المظلمة

 

طفلتي هربتْ بعد أن أتعبتها الليالي..

المواعيدُ والغرفةُ المظلمةْ.

 

*ريشة العصفور

 

مرّاتٍ أخرى..

نتلاقى يا حبّي ونغنّي

أو نبحثُ عن معنى

في كلماتٍ لم تُدْهسْ أو تُرفشْ

في وحشةِ هذي الأيام.

  

(4) الهدهد

*******

 

*العش والدخان

 

أنتِ في عشّكِ الدافىء

وأنا في عذابي المقيمْ

أنتِ في عشّكِ الغامضِ

بين أطفالكِ البيض والسمرِ

بين أزهاركِ العاريات وأحلامكِ اللاهثةْ

وأنا بين أوراقي الغامضةْ

بين أقنعتي وفراتي المريبْ.

 

*ريشة الهدهد

 

كيف ألّهَتني

يا نبي الندمْ؟

 

 

 

مأدبة السيّدة

   

نَهضتْ فانشقّ الفجرُ وبانَ عمودُ الروحِ مضيئاً..

نهضتْ فاهتزَّ دمي..

واهتزَّ السورُ. يتامى انهارَ الحرّاسْ

ألقى الساحرُ مديتهُ في التنورْ

ضحكَ النمرُ

وبكى القنفذ

وابتسمتْ سبعُ خطايا في الروح

حضرَ الملكُ العادلْ

يتقلّدُ صوتَ دمي، فلوات أبي،

رغبات الجد الطاعنِ في الغيّ

فبكيتُ، بكتْ ألوانُ الطيف

وبكى الثوبُ

نهضتْ كي تطبقَ سبعَ سمواتٍ باذخةٍ..

فوقَ الأرضْ

وتعيد الفجرَ بهيّاً

والصبحَ نبيّاً

والليلَ طفولياً

يتراقصُ حولَ النارْ

نَهَضتْ كي تمنحَ للساعةْ

ما تمنحه الساعة للماءْ،

للطاعةِ صهوتها المرّةْ،

للدغةِ لذّتها،

لتعيدَ الوادي الأسودَ للصيف المقرورْ.

<