بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

ديوان عربي

 

 شعر : أديب كمال الدين

 

بغداد 1981 - دار الشؤون الثقافية العامة

218 صفحة من القطع المتوسط

 

 

 

 القصائد           رقم الصفحة

ديوان الأسئلة                  5

ديوان المقابلات            23

ديوان عربي               51

ديوان الأشياء              69

ديوان الرقصات            89

ديوان الأغاني              107

ديوان المراثي              191

 

 

 

 

 ديوان الأسئلة

 

 

 

 

 

رؤيا

*** 

إذ أرى خفقةً

تهبطُ الآن في الريحِ تستنفرُ الذاكرةْ،

خفقةً ناحلة

تسكنُ الصمتَ والتمتمةْ،

أسألُ الفجرَ هذا الصديق العتيق:

ما الذي يعرفُ الطفلُ عن أمهِ أو أبيه؟

 *

إذ أرى قُبْلةً هامدةْ

تسكنُ الليلَ بين الأصابع

مثل صرخات طفل بعيد،

أسألُ الفجرَ هذا الصديق العتيق:

كم ترى تبعدُ الشمسُ عن ظلها؟

كم ترى تبعدُ الشمسُ عن

لغوها المختفي في الزرازير والنحل

والدخانِ، البنادق؟

كم ترى تبعدُ الشمسُ عن جرحها المستفيق؟

*

إذ أرى كلْمةً ناتئةْ

تختفي في سطور الدفاتر،

كلْمةً ذات عينين قد صيغتا وحشةً داكنة،

كلْمةً تحتفي وحدها بانتصاراتها القائظة،

أشتكيها الزرازيرَ والنحلَ والفجر

والدخانَ، البنادق.

أشتكيها، إذن، خفقةً تسكنُ الصمتَ والتمتمة.

أشتكيها، إذن، أو أخاف

أنْ تظل الصديقْ.

 

 

عن الخطـوة

 ********

كم مِن جهدٍ يلزمني

كي أمسك أياماً راحلةً

كقطارٍ مسرع

أو مثل ظنون تتمطّى

كغطيط السكّير!

كم مِن جهدٍ يلزمني

لأغني لوناً آخر للقلبِ الأسود،

للقبعةِ المرميةِ في الريح!

*

كم مِن جهدٍ يلزمني

كي أذكر شيئاً مرّ هنا أحرق

كلّ الأشجار وبخّر منها الفجرَ وأعطى

أوراقَ الحبّ نشيدَ السكين!

كي أنسى أنهاراً مرّتْ

وطيوراً قالتْ في أذني شيئاً،

أثداءً باركت النوم!

 *

كم مِن جهدٍ يلزمني

كي أبكي أو أضحك!

كي أمسك كأساً من فرحٍ محموم

بيد ثابتةٍ وشفاه!

كي أحرق أقنعتي في ليلٍ صافٍ كالثلج،

أخطو في فجرٍ أسود مجنون!

 

 

          ديوان المقابلات

 

مقابلة أولى

********** 

 آراء

****

قلْ لهذي القصيدة

إنْ أرادتْ شموسَ البهاء،

أنْ تراجعَ في كلّ حين

ابتسامتها المؤسية،

أنْ تغني قليلاً لأشجارها المثمرات الخيال

كي تسكّن أوجاعها

لحظةً ثم ترتدّ في سيرها

حيثما ينشر السرُّ أعضاءه الغامضة.

قلْ لهذي القصيدة

إنْ أرادتْ شموسَ الندى

أنْ تفكّر حتّى النخاع بأسمائها،

أرضها القلقة البكر، أحداقها

غيمها، وردها الأسود المنتشرْ.

أن تفكّر حتّى النخاع بخطواتها 

كي تقول

كلْمة ًواحدة،

كلْمةً مثقلة،

كلْمةً من ربيعِ الصفاءْ.

 

قلْ لهذي القصيدة

وهي تجلس

بين أوراقها الطفلة الصامتة

مثل رأس مُعذّب:

كيف يُمكن

للعصافيرِ والبومِ والنسرِ في لحظةٍ مذهلة

أن تغني نشيدَ الحياة،

كيف يُمكن

كسرُ بابين في غرفةٍ واحدة

دونما أيّ ذكرى،

فتحُ عينين في جثةٍ

دونما أيّ عيب؟

 

 

ضيف

*****

لاشيء، إذن، غير الأشعار تجيء

كي توقظني من نومي الأسود

وبكائي الأسود

ودمي.

لا شيء إذن،

هي ذي تأتي

فأكون الخيمة والعاشق

وأكون كؤوس القهوة

وغيوم الألفة والنوم الأبيض

وأكون الثلج القابع في الكأس.

هي ذي تأتي

كي توقظني ودمي الأسود.

 

*

هي ذي تأتي كي تتحدث

عن أزهار الروح

أو عن أحلام ثيابٍ مهملةٍ في الشارع،

تخطو في أحيان غامضة كالعشبِ النديان.

تأتي كي ترسم في أفقي منفى

وممالك قاسية الفكّين،

أنهاراً لنساءٍ يصخبن ويكذبن،

تخطو بدمي كالفجرِ المجنونْ.

 

  

مقابلة ثانية

*******

 

 

 

  الصوت والصدى

*************

 

أ ـ  الصوت

 

في الليلِ الأسود

يتحدثُ هذا القلبُ الغامض

بحديثٍ غامض

عن مدن وشوارع مرّتْ

كقطارٍ مزدحمٍ مهموم،

عن أصواتٍ ضاعتْ

ونساء يبكين الظلّ

أو أحجار الظلْ.

*

في الليلِ الأسود

يتحدثُ هذا القلبُ الغامض

عن حرفٍ

استلقى فوق فراش الأرض وغطّى

عينيه بقبّعةِ الحلمِ البيضاء،

عن حرفٍ ممتلىء بأنينِ الأشياء،

عن حرفٍ محترقٍ مجنون.

*

في الليلِ الأسود

يتحدثُ هذا القلبُ الغامض

عن أنهارٍ تأتي أو ترحلُ ضاحكةً

بثيابِ الفجر

وجبالٍ غطّتْ هامتها بغيومِ الثلج،

وطيورٍ قد هرعتْ كالطلقاتِ المتلاحقة

من وقع خطى الصيادين.

*

في الليلِ الأسود

يتحدثُ هذا القلب الغامض،

كي ينسى شيئاً

أو يتذكّر شيئاً

لينام.

 

ب ـ  الصدى

 

من أي ّبحارٍ أو وديان أو أشجار

يأتي هذا الصوتُ البشريّ الغامض،

يأتي هذا الحلمُ الأسود

كي يوقظني من صحوي أو نومي؟

*     

من أيّ جبالٍ أو أمطارٍ أو أصقاع

يأتي هذا الزائر؟

ولماذا يتركني حيناً كالغيم العاثر

حيناً فستاناً

لعروس مجنوناً بالقبلات؟

 *  

من أيّ نبوءاتٍ أو أحجارٍ أو أحداق

يأتي كرنين الأقنعةِ السود

ليشتت تيجاني

يرميها في الشارع

أو في أمواجِ النهرِ الصاخب،

ليُشتت أحرفي الزرق

يرميها في الليلِ المتوحش

أو يرميها ـ أبداً ـ في النار؟

 

مقابلة ثالثة

*******

 ملاحظتان عن الأشجار

****************

- أ-

كانت أشجاري في الشمس

وأنا أتفيّأ ظلّ الراحةِ تحت مياسمها الخضر

فرحاً فالظلُ ودودٌ والشمس

تهدي ما بين الأغصانْ

قسطاً من ضوءٍ يحوي

شيئاً من فرحي الأسطوريّ،

جسدي النائم

في كرسيّ من ذاكرةِ الأشجارْ.

*

جاءتْ عاصفةٌ زرقاء

هزّتْ أوراقَ الخضرة.

أغمضتُ عيوني

ونظرتُ:

أتغادرني الأشجارْ؟

الأشجارُ قويّة

والجذرُ الأسودُ يربطها برنينِ الأرضِ الغامض

والبحرِ، ربيعِ الرّب.

أأغادرها؟

وتجيء العاصفةُ الزرقاءُ فيبكي

قلبُ الأشجارِ بصمتٍ، لكنّ الأغصانْ

لا تملك أن تخفي شيئاً فتضجُّ جميعاً.

أغمضتُ عيوني

ونظرتُ:

ستظلّ هنا الأشجار

تحملُ أحرفها،

خفقَ الكون النائم فيها.

إذ مَن يقدر

أنْ ينزع منها حرفاً أو حرفين

لتصير "شجاراً" أو "شاراً" ؟!

مبتسماً

تحت الأشجار بوجهٍ شاحبْ

أتفيّأ عاصفة ًستمرّ وتذهب.

أتفيّأ خفقَ الكونِ، ربيعَ الربّ،

فرحي الأسطوريّ

وأغنّي

ثملاً من شدّةِ حزني:

ستظلّ هنا الأشجار

في القلب

في شمسِ القلب.

 

- ب -

شجرٌ مقطوعُ الكفّين.

شجرٌ يحوي بضعَ حمامات

تأتي وتروح

في بعضِ سماءْ.

شجرٌ يدخلُ مثل العمر المذهول

حجراتِ دمي الساكنةِ الأبواب

يتبّسمُ طفلاً مرحاً من دون عناء

أو طفلاً يخفي صيحاتِ الدمعِ المتناثر

في حضرةِ كفِّ الحرمان

ويجالسني.

 *

ويجالسني دوماً

ليدخّن أو يحلم

في ذكرى أشياء غامضةٍ.

مرّات إذ يغضبُ مِن لاجدوى الحلم الضيّق:

(بضع حمامات

تأتي و تروح

في بعضِ سماءْ)

في شرفةِ نومي

يدخلُ كي ينسى بعض الوقت ويوصدها

بالمفتاح الأخرس.

فأقومُ، لأبحثَ عنه،

مثل الأعمى.

 

 

 

مقابلة رابعة

******* 

أغنيتان

****

(1)

 

غربة في الجسدْ

قد أقام بأحداقها الليلُ

ضاحكاً كالبكا واللهبْ.

غربة في الجسدْ

بويعتْ في غيابِ الجسدْ.

 (2)

آهِ عاد السنونو لأعشاشه

ضاحكاً كالنسيم العليل.

آهِ عادتْ طيورُ البحارِ البعيدة

والعصافير

والذئابُ الغريبة.

آهِ عادتْ خطى العاشقِ، العاشقة

والسنين المريرة،

والمغنّي العجوز.

آهِ عادتْ خطى الله.

آهِ عادتْ خطى كلّ شيء. ولكنني

لم أعد منذ مليون عام وحيداً

أشيب الرأس مكتهلاً

بالعذابِ، إذن

فلأغنِ بصوتٍ خفيضٍ لأسأل

كلَّ شيء يمرّ:

هل تراني أعود؟ لماذا؟ لمن؟

 

 

ديوان عربي

 

 

 

 

 

الساعة يأتي

كالطيرِ الأبيضِ مرتحلاً بحنين العشب

وطنٌ قد غادرهُ النومُ الأبيض.

الساعة يأتي

وطنٌ وأنين

وطنٌ مرتجفٌ كأنين.

 

*

الساعة يأتي

سأقول، إذن ، ورصاصُ الأعداءِ امتلكَ الجسدَ الفاني،

مَن يحضرني في مائدتي الدموية:

أشوارع فارقها الجوع،

أشوارع فارقها الخوف،

أشوارع لا تبكي أحدا؟

الساعة يأتي

قمرٌ مرتحلٌ بأنين

قمرٌ مرتجفٌ كأنين.

 

*

مَن؟

ـ وأكاد أقوم ُإلى موتي الممتدّ على مائدةِ الشارع ـ

لصٌ أغبر،

شرطيٌّ أخرس، سيقان كالحة،

ذكرى حلمٍ ضائع؟

الساعة يأتي

زمنٌ مرتحلٌ بأنين

زمنٌ مرتجفٌ كأنين. 

 

*

الساعة يأتي

سأقول: ربيع الربّ اشرحْ لي صدري

واشرحْ لي مائدتي الدمويةِ، مائدة الهجرات.

اشرحْ لي كيف تقوم الليلةُ مثل مراكب ذاهلة 

شعثاء الشعر،

شعثاء العينين، الشفتين

واشرحْ لي شي...ئاً...

لم يبقَ من الساعة

إلاّ خيط اللحظاتِ سلاماً

لربيع الربِّ سلاماً

يا كلّ دمي، زمني، كفي الدمويّ المغموس

برحيقِ عذابِ الأرض.

وأقول سلاماً

سأقومُ، الساعة، مثل الماء.

 

 

ديوان الأشياء

 

 

 

 

جبل

***** 

كان قرب البيوت القديمة

ساكناً هادئاً دونما وردة أو شجرْ.

كان قرب البيوت القديمة

واقفاً بانتظار الليالي التي لا تجيء

وهي ملآنة بالقمرْ،

بالمواعيد أو أيّ شيء.

كان قرب البيوت

فجأةً.. حاصرته البيوت

بخطى من سكون.

فجأةً.. إحتواه المطر

بين أغصاني الصامتة

وانتهى ـ يا لبؤس الصدى ـ

كومةً من حجرْ.

 

غرفة

****

غرفة كنتُ أودعتُها صورتي

عندما يحتويها المساءُ الوحيد

والليالي التي ترتدي الفقرَ ثوباً،

ترتدي الروحَ أسطورةً من حروف.

غرفةٌ عرفتْ كيف أن تحتوي كلْمة ًسطّرتْ

كلَّ شيء، أشارتْ الى ما ترى

خلف شباكها المستجير.

غرفةُ فرشتْ ثوبها للصعاليكِ في آخرِ الليل،

للكؤوس التي تختفي

بين عينين قد صيغتا من لهبْ

بين كفيّن قد صيغتا من ربيعِ الألم.

غرفةٌ فرشتْ ثوبها

للأغاني التي تبتدي بعد أن ينتهي البائعون

من صراخِ النهارِ الممّل

بعد أن تنتهي النسوةُ الناضجاتُ الجسدْ

من خطى الفتنة القاسية

 من أنينِ الجسدْ.

غرفةٌ مسرحٌ للضجيجِ، البكاءِ، الفرح!

 

 

 

 

ديوان الرقصات

 

  

 

 

الرقصة الأولى

*************

 

اهبطي

مثل حرفٍ بليغ يرومُ المثول

بين أيدي السطور،

مثل سجنٍ يرومُ الهروب،

مثل نهر يمارسُ ألعابه القاتمة،

مثل مِيت يُعاد!

 

اهبطي. ها هنا آسنا يحتفي،

ثلجنا يختفي،

عشبنا يرتوي

نارَ خوفِ السكون

وانتظاراتِ ريحِ الظنون.

ها هنا ريحنا المبهجة:

ريحُ مِيت يُعادْ.

 

ها هنا ارقصي.. مرّةً..

ارقصي حطّمتنا التخوم،

حطّمتنا دفوفُ الهيام.

 

.. دورةً، دورتين.

هاتني صرخةً خافتة

نظرةً خافتة

مثلما الماء إذ يستفيق

من لظاه العميق.

..نظرةً ثم أخرى

..خطوةً ثم أخرى

..دورةً  ثم أخرى

هاتني خصركِ،

صوتكِ،

وجهكِ،

والغموض العجيب.

.. دورة ً ثم أخرى

.. خطوةً ثم أخرى

..  نظرةً من حنين.

إنني أنحني مثل آس فتي،

أختفي في جفون العيون،

أشتهي أن أكون.

إنني أبتدي بالكلام

عامراً بالرؤى والجموح.

 

الرقصة الثانية  

 ***********

هاتني خصركِ،

قلبكِ،

والحنين العجيب.

 

* انظرِ الآن ماذا ترى؟ 

ـ هاهي الريح

والعصافيرُ من نومها أقبلتْ وهي تنأى. الدخان 

ساهم كالأسى يرقبُ الآن، خلف الوجوه، الزمان.

والعيون التي تحتوي ميسمي

لم تكن تفهم العشب إذ ينحني

وردةً تحتوي الشمس،

صوتَ هذا اللقاء: الجنون.

"...قيل لي إنها خفقة

للينابيع إذ يفتحُ الفجرُ أجفانه بالضياء.

إنها ميسمٌ للعناقيد إذ ترتوي بالغناء.

إنها رنّة الكأس أو قُبْلة

تشتهي أن تلفَّ الجسد،

تنحني بين أوراقه شمعةً، حفلةً للشموع".

 

.. دورةً.. دورتين.

 

* انظرِ الآن ماذا يكون؟

ـ العصافيرُ ذكرى تجول

كلما أضحك الوردُ أعشابه بالدخان.

العصافيرُ ذكرى تجولُ الشوارع،

القطاراتِ والأنهر النائمة،

المنافي التي أشعلتْ لونَ أثوابها.

والعصافيرُ مذ غادرتْ نخلها المنتظر

احتوتها السنون التي أشعلتْ

جمرةً بين أجفاتها.

 

* أشعلتْها إذن!

ـ هاهي الريحُ من نومها أقبلتْ تعصفُ

والعصافير قدّامها تركضُ.

هاهي الريحُ من نومها أقبلتْ تركضُ

والعصافير قدّامها تعصفُ.

 

.. دورةً ثم أخرى

خطوةً ثم أخرى

نظرةً من وجوم.

 

الرقصة الثالثة

********

 

اطفىء الصوتَ هذا الذي يرتديني دماً غامضاً!

يرتديني لقاءً لنهرٍ عميق العذاب

وانكساراتِ ليلٍ طويل الغياب.

يرتديني إذن؟ اطفىء الصوت!

اطفىء الطفلَ هذا الذي لم أره!

 

.. نظرةً ثم أخرى

خطوةً ثم أخرى

دورةً ثم أخرى.

أيْ دمي! مرّ صوتُ العصافير

بعدما أحرق النسرُ أجفانها

ومواعيدها الطفلة الباسمة.

مرّ صوتُ الشموسِ التي لم تكن

تستضيف الكلام البليد.

أيْ دمي يا دمي! هل ترى طائراً

ظلّ وقت انهمار السماء؟

هل تراني دمي؟ اطفىء الصوتَ والريح!

إنني أستطيع المسافة

أن أقول الفضاء:

إنني حضنُ طفلٍ بريء

إنني وحشةُ الأقبية

إنني قُبْلةٌ هامدة.

 

هاتني نظرةً

مثلما القلب إذ يستفيق

من لظاه العميق.

 

.. دورةً.. دورتين.

 

إنني أستطيعُ الحقيقة،

أستطيع ُالغناءَ الذي كان لي شاهدي المنفرد،

كان لي ورقة معشبة،

غضبة السيف عند انعتاق الخيول،

بسمة الطير عند اشتداد الشتاء

وانحدار البساتين من نومها كالعروس.

فلنغنِ : الفراقُ الفراق

أتعب الفجرَ والطفل

الفراقُ الفراق

أتعب الظلَّ والجرفَ والعشب.

الفراقُ الجموح

أتعب َالماءَ هذا الجموحْ.

 

دورةً للهبوط

دورةً للهبوط الثقيل

دورةً  للحنين الثقيل.

 

الرقصة الرابعة

 ***********

لم يزل وردنا صابراً

والكمان الوحيد

جالس مثل نبع يتيم.

هاتني قُبْلةً للمساءات

حينما ينتهي صوتها ضجةً مبهمة،

وردة تُشتهى وهي سكرى بغصن الظلام،

خفقةً بالغتْ في الكذب

واشتهتْ أن ترى أيّ شيء:

جثةً أينعتْ أو حنين النهار.

هاتني قُبلةً مثلما عشبة أورقتْ

كي أحنّي الدماء.

 

..دورةً.. دورتين.

 

هاتني صرخةً خافتة

 نظرةً خافتة

مثلما النار إذ تستفيق

من لظاها العجيب.

.. خطوةً للأنين

خطوةً للجنونِ البليغ

خطوة ً للهدوء المريب

خطوةً للحنين.

 

.. قُبلةً من سكون:

كم تريدين لي أن أكون

مثل مرثية انتهتْ واختفتْ؟

كم تريدين لي أن أكون الكمان اليتيم،

الكمان الذي شجَّ أوراقه الناتئة؟

كم تريدين لي أن أموت؟

 

.. قبلةً من وجوم:

ربّما كي نموت

كي نواصل

لحننا المستديم الثقيل.

.. قبلةً من ربيع:

كي نغني معاً

لحننا الخالد المستحيل.

 

 

 

ديوان الأغاني

 

 

 

 

مفتتح راقص

********

 

صوّبْ:

هذي الوردةُ تهبط

إنْ تقطفها تهبط

في الصبحِ المثلجِ أوراقاً تلتفّ بطعم السنوات

أو تخفي ذاكرةً لدم الأقدام المرّ.

 *

صوّبْ:

النهر: الحلم

النهر المكتظّ

وبشطآن الماء.

القُبْلةُ جاءتْ عاريةً،

ذهبتْ عاريةً.

ذهبتْ؟! أين؟

الشارعُ يرفعُ أطرافَ الثوب،

الشارعُ يشربُ شاياً، خمراً

ويدخّنُ كالمشدوه.

والشارعُ ضيعّه الشارع

والشارعُ يصطادُ الشارع.

لكنّ المُخرج لا يرغب

في إلغاءِ السككِ البيضاء ومروحةِ النومِ المعشب

والبحرِ المبتعدِ الأطرافِ إلى حدّ الفتنة

والنومِ على زندِ امرأةٍ بلّلها

الليلُ فاضحتْ باردةً مثل الزبدة.

 

*

صوّبْ:

النخل.

الجسد.

الفندق.

الأسماك. الأطفال.

والريحُ تناقش:

هل يأتي فجرٌ يطلبُ كرسياً؟

والريحُ تقول:

الجسرُ يؤدي للمنفى

والنهرُ يؤدي للجسر

والجسرُ جميلٌ كالوردة.

 

الفصلُ طويلٌ كالرقصِ الليليّ وأفواج الموتى

وكأغنيةِ البحّارةِ والصخرِ الجارف

كالصيفِ الممتلىء الأرداف.

الساعةُ تنتظرُ الماضي.

الماءُ يفورُ قصائد من لهبٍ

تتساقطُ منها الأفخاذ.

والمخرجُ يرفعُ شاراتِ البدء، يصيح:

أوصيكَ بماءِ الهجرةِ والنومِ الأبيض.

ويغنّي:

مرحى للريحِ، الأسماء، الشارع

مرحى للرغبةِ والطفلِ البكر

مرحى للقُبلاتِ المرمية

ما بين الأحلام، القمح المنثور،

ما بين جدار الآلام.

 *

صوّبْ:

هذي الوردة

إنْ تقطفها تهبطْ

في الصبحِ المثلجِ أوراقاً تلتفّ بطعمِ الشارع.

 

 

أغاني رأس السنة

****************

 

(1) 

... وهنالك أشجارٌ سود

لم ترحلْ بعد لبغيتها،

وهنالك أشجارْ.

وهنالك أيامٌ

لم ترحلْ بعد لمتحفها،

وهنالك أيامْ.

وهنالك أحزان

رسمتْ ذاكرتي وخطاي،

وهنالك أحزانْ.

 

وهنالك وجهكِ يفجؤني أبداً

في الليلِ وفي الحلم،

في كلّ المنعطفات.

أدماه الحزنُ وحاصره القمرُ الذئبيّ،

أغنته الوحشة

وقليلُ الزاد وبعدُ الشُقّة.

وهنالك وجهكِ.. آهْ.

 (2)

في ليلةِ رأسِ السنة

أكتشفُ السرّ:

إنيّ طفل في العام السابع والعشرين.

في وحشة رأس السنة

أكتشفُ السرّ:

إنيّ كهل قد أتعبه أرقُ الأحفاد.

في ظلمةِ رأسِ السنة

أكتشف ُالسرّ:

إنيّ كوكبه الدريّ المتألق في أحداق محمد

وربيع الله.

(3)

"لم يحضرْ أحد للحفلة"

فاجأني الخادم

في قمةِ حلمي،

فزجرته.

"لم يحضرْ أحد للحفلة"

فاجأني الشمع

في قمةِ فرحي

فنهرته.

"لم يحضرْ 

أحد....."

فاجأني الكأس

فرميته.

"لم يحضرْ.... "

فاجأني حزني فصمتُ، نظرتُ:

لم أجد الخادمْ

"من أين يجيءُ الخادمْ ؟!"

لم أجد الشمع

"من أين يجيء الشمع؟!"

وانكسر الكأسُ الفارغ.

ونظرتُ: الحزن أمامي

يتضاحكُ، يفتتحُ الحفلة!

 

(4)

من أجلك

يا مَن يحضرني

الليلة وجهه

يا مَن يعرفني

ويكاد

يا مَن لا اسم له، لا عنوان

أرسلُ برقيةَ تهنئةٍ

من دون حروفٍ أو معنى

وأنام.

 

 

 

ديوان المراثي

 

 

 

 

 

أربع مراثٍ الى آدم

************

 

 (1)

في هدأةِ هذا الإيقاع

أرثي مجدك:

هذا الجيل الدريّ،

هذا الملكوت الكونيّ،

الرغبة في صهرِ الشمسِ وترويض الأقمار.

أرثي بؤسك:

هذا الوطن الممتدّ سماءً لا حدّ لها

فارغةً تحبو،

وغيوماً لا حصر لها ضاحكةً

من جوعٍ أو رعب.

في هدأةِ هذا الإيقاع

أرثيكَ وأرثي نفسي

وخطى الإيقاعْ

مبتهجاً

أمتدّ سماءً لا حصر لها فارغةً

حتى القاعْ.

 

(2)

مَن أعطاكَ الأسماءَ؟ ومَن قال: شراعاً

خذها الأرض شراعاً

ولباساً، قبراً

أو متكأً

حلماً أو كابوساً؟

مَن قال؟ أجبْ!

يا ملكاً محكوماً بعذابات النسيانْ.

( 3)

لم تهبطْ وحدكَ، قيل بأنّ امرأةً

هبطتْ من روحك

لتكون لباساً

هبطتْ كي تشعل ما يتبقى

من أحلام الجسد المسجون،

لتكون رفيقاً للجوعِ، الطاعون.

لم تهبطْ وحدكَ، أنتَ اخترت

إذ كان عليك

أن تتحمل

ضربات الدهر على الرأس،

ضربات الحبّ السوداء،

ضربات الإقناع!

 

( 4)

 دعني أرثيك

ـ لا أملك إلاّ أنْ أرثيك ـ

في الشكِّ وفي الغيرة،

في الغربةِ والطعنة،

في الجوعِ وفي الموت.

دعني أرثيك

وأكلّلُ رأسك

برضاي الأبدي.

 

 ثلاث مَراثٍ الى نفسي

 ******************

 الرهائن

******

من أين أجيء وأفتتح أبوابَ خلاصي،

والأسلاكُ المهجورةُ والسنواتُ: الأنقاض

تمتدّ لحافاً لخطاي

كبكاء رهائن من خزفٍ

سرقتْ صوتَ دمائي، أثرته قليلاً،

عادتْ سرقتْ ما يُمكن أن يُسرق.

كبكاء رهائن من خزف

قالتْ في أذني شيئاً

كلماتٍ مبهمة أو ثرثرة، أشلاء؟

من أين أجيء وأفتتح أبواب خلاصي

وأنا أملكُ روحاً:

وطناً لعصافير الشِعْر

لفراشات صيغتْ من كفِّ عذابِ الأطفال،

للقُبلةِ والأمطار،

للسحرِالأسود والريح الزرقاء؟

 

 

الحصاد

*****

 مثل الأشباح السود

إذ تجلس ساهمةً في كابوس أزرق وقت الفجر

أو مثل حصاة تُرمى وسط البحر الهائج

حتى تصل القعر

تمضي مرثيةُ عمري 

تمضي، تمضي وأنا أرقبها

فرحاً مغروراً مقتولاً

في أول طلقة،

فرحاً مرتعداً منتشياً

بالحزن وبالنشوة،

بالخذلان.

 

 

 الرقصة

*****

 

يا لأساي الذي

هدَّ بي الأبواب

يا لأساي الذي

يشكو ولا يغتاب

يا لأساي الذي

يمشي كما أمشي!

 

 

 

(انتهى)

 

 

 الصفحة الرئيسية  اتصل   مقالات عن الشاعر   سجل الزوار