بسم الله الرحمن الرحيم
تفاصيل
شعر: أديب كمال الدين
النجف - مطبعة الغري الحديثة - 1976

القصائد رقم الصفحة
قصيدة حُبّ 5
طفولة 23
لقاء.. وداع 35
قصائد صغيرة 43
أبو الهول 67
لا للقصيدة 91
لم 101
قصيدة 103
قصيدة حبّ
حبّي!
من أجلك أدركتُ الجسدَ البلّورْ
والثديَ اللامعَ كالنجمِ القطبي
وتلالَ الماء الغائضة العينين
والخبطَ المعشبَ والصحوَ الرمليّ،
الفجرَ المحمومَ الشفتين كصيفٍ مخبوء.
قد أدركتُ الثلج
والحيرةَ والظنَّ، البحّارَ الضائع
والطفلَ الضاحكَ، أرديةَ امرأةٍ ضاعتْ
مابين شوارع واسعة كجناح النسيان.
قد أدركتُ الجسدَ: الخبز.
قد أدركتُ الجسدَ: الحرف.
حبّي!
من أجلكَ أنبتُ الأزهار:
النرجس: ذكرى
والسوسن: مائدة للريح البضّة
والجوري: طفل يلقي من فوق الجسر الأوراق،
أزهار الرمّان الحمراء: لقاء غامض
والقدّاح المتصابي: عرس أخضر
والأزهار البرّية: سيّدة للحبّ
والدفلى: وجه ضاعتْ من عينيه الكلمات.
حبّي!
من أجلكَ عانقتُ الألوان: الأخضر للنوم
والأزرق للموت
والأبيض للكيد،
الأسود للبلبل
لجراحٍ تأتي حافية القدمين
وجراحٍ تذهب أو تبقى
كالأشجارِ المهجورةِ وسط الريح.
الأحمر للصوم
والأصفر لمرايا الجوع
والبنّي الصامت للريح.
حبّي!
من أجلك أطلقتُ الأحلامَ فهذا
حلم صيفيّ.
هذا حلم لربيعٍ آتٍ من خلف الغيم.
هذي أحلام قلائد من رمّان وزبرجد
وشموس تسقط كاللؤلؤ أو تسقط كالذكرى.
هذي أحلام صباح مندهشٍ
بالرغبةِ. تلك، إذن، أحلام جليس صامت
يرنو من خلف ستار شاحب
لصراخ الباعة في الحفلة.
هذا حلمٌ أسود!
حلمٌ يسأل: أوَ تذكر شيئاًَ عن حلم؟
أوَ كنتَ تقيّاً كالنسيان؟
حلمٌ إذ يصرخ فيّ:
هل زوّرتَ الأسماءَ، الليل؟
أوَ كنتَ الطفلَ الضاحك؟
أوَ جاء البحّارُ؟ إذنْ: هل أعددتَ السمّ؟
انظرْ هذا حلمٌ أبيض!
حبّي!
من أجلكَ قد غنيّتُ حروفاً لا توصف
وحروفاً تشكو لونَ الليل وتمشي
كالأطفال المسرورين،
وحروفاً تهمسُ للصيف
أو تهمس للماء
وحروفاً تُعْزَفُ للأسفار
أو تُعْزَفُ حين يشيب الوردُ، الكاس
وحروفاً أقدم من تيجان التاريخ
من أصوات الطير
من ذاكرة الأنهار،
وحروفا ضاعتْ
من قبل وما وُجِدَتْ،
وحروفاً تحكي عن فاكهةٍ قُطِفتْ
عن سنبلةٍ تأتي لا ريب بإذن اللّه.
حبّي: انظرْ هذي مائدتي تتساءل:
أوَ أنتَ المجنون الجالس تحت الأشجار؟
أوَ أنتَ الصوت المبحوح؟
أوَ أنتَ الخطأ الفادح؟
حبّي: انظرْ هذه مائدتي
صُنِعَتْ من أقصى غاباتِ الكلمات.
لا تشكو شيئاً
لا تعرف أحداً
لا تأمل أن تدعو أحداً.
حبّي: انظرْ هذي مائدتي
وُشِمَتْ بدمي!
طفولة
(1)
أأنا صوتٌ ودعاء أبيض
حلمٌ وزياراتٌ صيغتْ من أعماقِ الوردة؟
أأنا مطرٌ ورمادٌ معشب
ولقاءاتٌ تمّتْ في ثدي الفجرِ، الظلمة؟
أأنا حضنُ امرأةٍ،
نهرٌ،ألمٌ، وإلهٌ مستتر،
زمنٌ يتخثّر كالقُبْلة؟
(2)
يدعوني القاتلُ: تذكرةً للرعب.
والخاطئ: بركةَ إثمٍ أزرق
يدعوني العاشقُ: مائدةً الأحلام
والشاعرُ: غابات لا تُفهم.
(3)
يدعوني الطفلُ: غناءَ العصفور
وكتابَ المدرسة الأخضر
ورحيل الوحشة والبومةْ
والفجر التائه في الصحراء.
يدعوني الطفلُ بإسمي.
لقاء.. وداع
النرجسُ: ذكرى
عطرِ امرأةٍ قد فارقت البحرْ
وقصيدةُ حلمٍ يكتبها طفلٌ
يحبو عند السُلّم.
النرجسُ: زمنٌ آخر
لا جدوى فيه إلى الكلماتْ،
لا جدوى فيه إلى وجهِ الأنهارِ المرمّيةْ
كقطارٍ بللهُ الليل
ووداعُ الباعةْ.
النرجسُ: أصواتٌ ملأى بالغيرةِ والشمس،
كفّ لذراع تسقطُ عند الشاطئ ضاحكةً،
وعيون تشرقُ أحلاماً
تتفتّح
في الفجرِ وتومضُ صوتاً آخر
وقصائد تحلمُ بالثلج.
النرجسُ: قمرٌ يتآلفُ فيه الليلُ مع النسيانْ.
*
قالتْ ذلك
وبكتْ مثل النرجس.
قصائد صغيرة
(1)
لا تذهبْ أكثر
من مائدةِ الأطفالْ:
من مائدةِ الفرحِ الباسق
والنخلِ الباسق
وغناءِ البَطّ، تماثيل الطين
ورياح الأعشابْ.
لا تذهبْ أكثر من صحراء الغيرةِ والنومِ الأزرقْ،
صحراء الكلسِ الأبيضِ والكلماتِ الشعثاء.
لا تذهبْ أكثر من جسد الرؤيا!
(2)
ما نفعُ الأشعار
إنْ لم تأخذ بيدي؟
(3)
"ما أفعلُ – قال الأيّل –
إنْ تشرب من نبضي؟"
صمتَ التمساحُ قليلاً
وعلى خدّ الأيّل
وعلى خدّ النهر: الأزهارْ
صار التمساحُ يربّتُ مبتسماً.
لحظات.. وافترسَ التمساحُ الأيّل،
لحظات.. وافترسَ التمساحُ النهرَ، الأزهارْ.
(4)
أخشى أن تسرقني أقماري السود.
أخشى أن تتركني كالحوتِ الميّتِ عند الشاطئ
أقماري السود.
أخشى أن أخشى.
(5)
هل تذكر مَن سمّاك:
أعطاك الخيبةَ واللعبةْ؟
هل تذكر مَن أعطاك:
سمّاك بإسم اللعبةْ؟
(6)
ذكّرْ
إنْ جاءتكَ الذكرى.
ذكّرْ
ذهبتْ كغبارِ العاصفةِ الهوجاءِ الذكرى.
ذكّرْ
قطعتْ أشجارَ المنفى
وأتتْ بأنينِ الطيرِ الذكرى.
ذكّرْ.. ماذا..؟ الذكرى!
(7)
حبّي ورقٌ تذروه الريحُ وتسكنهُ البهجةْ.
حبّي ورقٌ لشوارع يسكنها الغرباء
وشوارع ضاعتْ كالغربة.
حبّي ورقٌ من طين أسود:
ورقٌ يأبى ويهاجرُ، يزرعُ أو ينسى
ورقٌ للماضي والرغبة
ورقٌ للغيرةِ والفتنة
ورقٌ أبيض.
النبيّ الصغير
(1)
الشتاءُ نبيّ صغير،
ملعبٌ للزمانِ القديمْ،
لحظةٌ للفراشِ المغطّى بلونِ القصائد عند اللقاء الأخيرْ.
الشتاءُ نبيّ صغير
أطفأ الضوءَ لكنه عادَ وقت المساء الوحيد
مثل أرجوحة بللتْها الظهيرة
والعشاءُ الخجولُ الخطى.
الشتاءُ نبيّ صغيرٌ فلمّي ذراعي:
وجهَ عشرينَ شهراً وموتاً قديماً
وجه تذكرةٍ لانتظار البرامج.
الشتاءُ نبيّ صغيرٌ فلمّي التي صوتها
غابة من زئيرِ البنفسج
صوتها النوم في بركةٍ للطفولة
والتي غادرتْ ليلها مرّةً
فاشترتْ دفتراً سجّلتْ فيه أشجارها
سجّلت فيه شيئاً ونامتْ
مثلما الطفل عند اشتهاء البكاء الأخير.
الشتاء نبيّ صغيرٌ فلمّي التي عاشرتْ لونَ خوفي:
وجهَ عشرين قرناً
كلّ قرنِ بيومٍ وحيدْ
كلّ يومٍ بثانيةٍ واحدةْ
والتي غادرتْ ليلها مرّةً
فاشتهتْ أن ترى ليلها مرّةً ثانيةْ.
الشتاءُ نبيّ صغيرُ الأصابع:
بللتْ وجهَها بالمساحيق، عادتْ
خطو فعل عتيق.
(2)
الشتاءُ كثيرُ الغيوم.
الشتاءُ: الرجالُ الذين ابتدوا صوتَ لحن ٍقديمْ.
الشتاءُ: السكائرُ مشعولةٌ في الظلام.
الشتاءُ الغريب:
صفحةٌ، ساعةٌ لا تجيد الحديثْ
ضجّةٌ من طيورِ الفراتْ.
الشتاءُ: أغان بلا عودةٍ للنخيلِ المغطّى باعشاشهِ.
الشتاءُ: النساءُ اللواتي يغنين وقت انهمار السواد.
الشتاءُ الذي يخطف الآن صوتي
وجهَ عشرين قرناً:
كلّ قرنٍ بيومٍ وحيدْ
كلّ يومٍ بثانيةٍ واحدةْ.
والشتاءُ ابنكِ الماجنُ الصامت
الذي يسألُ الفجر:
أين هذا العشاء الخجول الخطى؟
والشتاء: البحارُ التي تترك الفجرَ صوتاً
ثم تستقبل الفجرَ كأساً جديداً.
أنتِ فاتنةٌ
كالشواطئ صاخبة
والملاهي التي تتركُ الفجر كأساً
ثم تستقبلُ الفجرَ كأساً جديداً.
أنتِ فاتنةٌ كالدعابة
والشتاءُ ابنكِ الماجنُ الصامتُ المبتلى
بالعشاء الخجول الخطى.
والشتاءُ النبيّ:
بللتْ وجهها بالمساحيق، عادتْ
خطو حرفٍ عتيق
خطو طيرٍ يموت
حين يأتي الشتاء:
نبضةً تشتهي صوتَ أطفالها
والغناءَ الذي ضيّع النخلَ، أعشاشهُ.
حين يأتي الشتاء
ساعة ًمن دموعْ
باقةً من ندى.
(3)
الشتاءُ: نبيذٌ يبدّلُ صوتاً بآخر
: النجومُ التي علّقتْ فخذها في الجدار
: الطريقُ الذي قلّدته الرياح
: القصيدةُ عند النهاية
: القصيدةُ عند البداية
الشتاءُ: الصديق
الشتاء: البقيّةْ:
أين وجه العشاء؟
أين وجه الشتاء؟
أبو الهول
إلى: الصديق الفنان حميد ياسين
(1)
واقفٌ في الصحارى البليغة.
واقفٌ كالمرايا التي تخلقُ السرّ تمتصهُ
مثلما الماء إذ يختفي في رمالِ الهجير.
واقفٌ في همومِ السهادْ.
واقفٌ كالرمادْ.
(2)
اشترتني الزنودُ القوية
ثم لما أتاني المليكُ انحنى
قال: نحن استوينا معاً
خفقةً للربيع الذي لن يموت،
مسرحاً أزرقاً للطقوس.
قال: نحن الملوك
فانطق الآن أو فلتكنْ
أنتَ سريّ البليغْ،
أنتَ ربّ العروشْ.
(3)
واقفٌ
ليس لي صاحبٌ أو حبيبْ.
قُدَّ وجهي، إذنْ - يا لبؤسي المديد الخطى -
صخرةً من جحيمِ الصخورْ.
واقفٌ كالحلمْ
كالجدارِ، الإلهْ.
(4)
واقفٌ
مرّ، كالنجمةِ النازفة
من أمامي، الزمانْ.
مرَّ صوتُ اللحاء الرهيف
والبحار، الرياحْ.
مرَّ صوتُ الملوكِ الحيارى
والملوك اليتامى
والصعاليك والأحذيةْ.
مرَّ صوتُ الشموسْ:
مرّةً تخلبُ اللبّ من حسنها
مرّةً مزّق البحرُ أثوابها.
مرَّ صوتُ اللقاء:
كان عِقداً صغير اللُمى
كان عِقداً صغير السماء.
مرَّ صوتُ الطبول
كان زهراً له وحشة الأقبية،
ضجّة الثدي والعنفوان، الدماءْ
مرَّ صوتُ الهدى
مُسرعاً كالظلامْ.
وانتهوا؟ كالوقوفْ؟
(5)
واقفٌ كالعطشْ
كالصحارى، الهواءْ .
واقفٌ كالسؤالْ.
واقفٌ ما أمرّ الوقوفْ!
لا للقصيدة
(1)
هاهو الصوتُ، ذي سعفة للرحيلْ
نظرةٌ للزهور البعيدة
وردةٌ، طعنةٌ أو حريقْ
ها هو اللونُ، ذي دمعة أرهِقتْ
في الحنين المفاجئ
في الصراخ المفاجئ.
(2)
مَن ينادي الفراتْ؟
بارقٌ ساطعٌ في الطريق،
أم طريقٌ ينادي الفضاء
مثلما الساعة الواقفة،
مثلما الأسئلة
تختفي في رنين الذهولْ
تختفي كالذبول؟
(3)
مَن ينادي الفرات؟
خفقةٌ تشتري حلْمةً للندى؟
الرياحُ التي تفتحُ الآن ألوانها
تفتحُ الآن أبوابها
كي تعرّي العناء
كي تشي بالشتاء؟
(4)
لا..
أصمتُ الآن!
صامتاً قد يجيء الفراتُ البليغ!
صامتاً قد يجيء الفراتُ العميق!
القُبْلة والنهر
مرّةً قلتُ للشمسِ: أن نشتري
قُبْلةً من طفولة
قُبْلةً من ورودٍ وماءْ
قُبْلةً للفراتِ، البكاءْ.
مرّة قلتُ للشمسِ:
إنني قبضةٌ من رياحٍ وحُبّ،
إنني عشبةٌ فارقتْ صوتَ أطفالها،
ربّما إنني لحظةٌ تهتدي ذات قرنِ المساء
طفلةً كحّلتْ قلبها
في المرايا بصمتٍ وليلٍ وموج،
في المرايا بصمتِ الغناء.
مرّةً قلتُ للشمسِ، أخبرتُها:
قد ينامُ المغنّي البليغ
ضاحكاً
قد ينامُ المغنّي البليغ
فندقاً نائماً
قد ينامُ الزمانْ.
مرّةً..
مرّةً..
مرّة..
(يا لصوت الحنان!
يا لصوت الجسد!)
جاء صوتُ الجدائل
حالماً كالطيور
كانَ وجهُ الفرات
باسماً بين دفء رهيف
باسماً إذ يدخّنُ سيكارةً يافعة!
لم
"لم تبدأ بعد". الشاعرُ قال.
فأتاه الحزنُ الأبيض
وأتته الحربُ الغبراء
وأتاه الخوفُ البارد.
"لم تبدأ بعد". الشاعرُ قال.
فأتاه الجوعُ الأصفر
وأتاه الليلُ يمزّقُ ثوباً أسود
وأتاه الثلجُ القاسي.
"لم تبدأ بعد". الشاعرُ قال.
فأتته الريحُ، الزوبعةُ
وأتاه الصيفُ الصاخب
وأتاه السيلْ.
"لم تبدأ بعد". الشاعرُ قال.
فأتته الذكرى والطفلُ الضائع
وأتاه نثيثُ الأمطارْ.
" لم تبدأ بعد". الشاعرُ قال.
فأتاه الموت!
قصيدة
يا أرحبَ لحدٍ مُعشبْ
يا أرحبَ منأى!
انتهى