الدخول في النقطة:

 شاعر يرى الحكمة في ثنايا الحرف

علاء فاضل

  تنطلق اللغة بمكوّناتها للرقص في صالة الشعر الكبرى التي قد فتحت بإلفة وحميمة ذراعيها لتستفزّ مواطن الرهافة والشفافية الملتحفة بطيات النفوس ..تنطلق اللغة للرقص على موسيقى آلات الأزل لأداء وظائف المشهد السرمدي، فالعقل والأحاسيس والمشاعر آذان تسمع معزوفة تاريخ الأسى والفرح في كرنفال أتْقِنَ إعداده حيث يقف الشاعر كمايسترو يعطي الإشارة لعناصر فرقته التي روّضها حتى أظهرت نغمات السرد بانسجام يغوي الحضور المتهيب للدخول إلى حلبة الرقص على الأنغام التي يحددها إيقاع الآلات المشتركة في الأوركسترا الشعرية، الجملة، الكلمة، وهنا الحرف أيضاً، بفاعلية تخدش الخشونة بأظافر قُدّت من نعومة انكسار النشيج واللوعة التي تنضح من بين ثنايا نسيج المقطوعة التي تؤرشف لمحاولات أديب كمال الدين في تشييد مملكة القصيدة داخل فضاء النقطة.

 كانت مجموعة (النقطة) بمثابة مصباح علاء الدين، كلما دلكناه خرج لنا أديب كمال الدين وقد تقمّص دور مارد المصباح ليهبنا من عطاياها حروفاً ترسم لنا خطاً للسير على هداه لنتمكن من فكّ بعض مغالق النقطة وخبايا الحرف وكنوز الكلمة فالجملة. وما أن ترانا وقد وقفنا على أبواب العملية الشعرية حتى تتبدّى لنا القصيدةُ امرأةً بقوام باسق رشيق فتستدرجنا لملاحقتها بما تلقي من أحابيل غوايتها فلا نملك من أمرنا إلاّ أن نشحذ الهمّة في اللحاق بها والعمل على احتضانها بما يناسب من وسائل فلابد لنا والحال هذه من معرفة ماهية الجسد والخوض في الكيفية التي تشكّل بها والبحث في العلاقات التي تربط بين أعضائه، فما الذي تريده منا القصيدة لتمنحنا ما نريد؟ قبل كلّ شيء لابد من تقرير أنّ الكتابة  لدى الشاعرأديب كمال الدين في مجموعته الشعرية "النقطة " لم تكن ممارسة لنوع من الترف الفكري أو الثقافي، بل هي عملية تنقيب عن معاني تبعث في كهف الكلمة وأحيطَتْ بما يكفي من عوامل الحماية من المشاعية لتفرض على القارىء ضريبة القراءة والقراءة الثانية، إنه الحوار مع الشعر ولكي تتملك مقومات التفاعل عليك أن تكسر التقليد السائد للقراءة. إنها القراءة : الجدل، فالقصيدة بعد أن حازت شكلها الذي تقوّم بالنثر دون أن تخاطر بمفهوم الشعر) كما تقول سوزان برنار)  تسرّب لذاتها أثراً يمكن للقارىء من اقتناصه في محاولة الوصول إلى اللبّ عبر طرق ومساحات شاسعة من التأويل والاحتمال، فظهور النص وكأنه كائن أملس مطليّ بالزيت أوجب على القارىء أن يتقن ملاحقته وبوسائل شتى.. إنه يستفزّك لتضع له فخّاً قبالة الفخّ الذي وضعه هو لك..  تبادلية تثير سخرية الحرف والكلمة والنقطة من كلّ من الشاعر والقارىء في آن. إنّ الشاعر الذي أتقن وضع الحرف في مكانه والكلمة في حيزها وحين سوّر الجميع بالنقطة انبرت الحروف لتهزأ به كما علم هو بذلك:

وانتبهتُ إلى الهاء

كانت الهاءُ توزّعني ذات اليمين وذات الشمال

وأنا جالس قرب عشبها

مثل سكّين سقطتْ من يد القاتل

مثل صورة تبحثُ عن صاحبها الفقيد

مثل دراهم أضاعها طفل بريء

مثل كلكامش أضاع الطريق إلى أنكيدو

مثل أنكيدو لم يتلقِ بعد بالمرأة العنكبوت

مثل امرأة سُبِـيتْ دون سببٍ مفهوم

مثل سبب لا سؤال عنده أو لديه

مثل سؤال أضاع علامة بكارته

مثل علامة ضحكتْ منّي.

لذا أعطى للحرف دلالته وأسرف على محاصرته بالمعنى وخرج بما بدا له انتصاراً، فأبت النقطةُ إلاّ أن تحفزّ الحرف للوقوف خارج المشهد وأباحت له الضحك، فضحك حتى انقلب على قفاه فانكشف القارىء ما كان قد اختفى في باطنه من معنى فكان عندئذ معنى للمعنى. إنه اختزال شديد وكأننا أمام محاولة لتأسيس تكثيف للتكثيف عبر إدراك قابلية الحرف المتسعة للتأويل بما يقدمه من تحفيز للذاكرة.  إذ إنه عمد إلى إرجاع اللغة المتشظية إلى مكوناتها الأولى فهي تتابع منظم للجمل،  والجمل تتابع منظم للكلمات، والكلمات تتابع منظم للحروف، والنقطة جزء الحرف الذي يمنحه هوية الصوت والمعنى، وهذا بلا شك يؤشر أهمية العناية بالنقطة صورياً ودلالياً:

أنا النقطة

أنا خرافةُ العصر وسرّته

بحثتُ عن اسمي لم أجده مع الهراطقة

ولا مع الزنادقة  ولا العبادلة

ولا مع الرهبان  ولا الكرادلة

ولا مع المهزومين  ولا المنتصرين

ولا مع المتمترسين  ولا المهاجرين.

الثنائيات المتقابلة منطقياً: زنادقة، عبادلة –رهبان، كرادلة – مهزومين، منتصرين- متمترسين، مهاجرين،  مسميات تدلّ على نوعيات بعينها، إنها انغلاق الكلمة أو كما يسمّيها المناطقة وأهل