الحُروفيّ
33 ناقداً يكتبون عن تجربة أديب كمال الدين الشعرية
المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت 2007
إعداد وتقديم
الدكتور مقداد رحيم
ق 2
الفصل الثاني
ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة
أزمنة للنشر والتوزيع - عمّان - الأردن 2006
أ. د. عبد الإله الصائغ
د. حاتم الصكر
د. مصطفى الكيلاني
عيسى حسن الياسري
عبد الرزاق الربيعي
خليل إبراهيم المشايخي
زهير الجبوري
صباح الأنباري
أديب كمال الدين ومشاغله العتيدة
أ . د. عبد الإله الصائغ
يا بائي وبوابتي
(شعر: أديب كمال الدين)
نقطة1
******
مع أنني أطلقتُ عليكِ اسم الباء
ثم أطلقتُ عليكِ اسم النقطة
(بعد أن قيل لي انّ كلّ الباء في النقطة)
فإنني لم أشفَ بعد من جراحي التي سببتها
سكاكينكِ وشراشفكِ وروائحك.
نعم، لم أشف َ
مع انني كتبت
سبعين ملحمة في ذكراك
وسبعين قصيدة لتمجيدك
وسبعين بيتاً لعدّ دموعي المتساقطة
في الطرقاتِ من أجلك
وسبعين، سبعين
نعم،
فلقد سطا عليك الزمان
وتناهبتك اللذةُ ذات اليمين وذات الشمال
وحين كنتِ بين ذراعيّ
تلثغين بمفاتن نهديكِ وساقيك
سطا خدم العرش ليسرقوكِ منيّ
ونهبوا عرشَ ذهبكِ ومفاتنكِ وملابسكِ الداخلية.
نقطة 2
******
كان المشهد أكثر كابوسية مما أحتمل
إذ كان يتطلّب أن أقلع عينيّ
كما فعل أوديب
وأن أقطع رأسَ الحروف
وأعلّقها على بواباتِ العبث
ولم تكن لديّ حروف بالمرّة.
وكان المشهد يتطلّب أن أخرج
إلى الشارع عارياً
عارياً تماماً
وما كان هناك من شارعٍ في الأرض
يمكن أن أمشي عليه
بقدميّ الملتصقتين ببطني
يا ملكة العري والفجيعة
يا بائي وبوّابتي
يا بليـّتي وبـَلبـَلتي.
نقطة 3
*******
كان خروجي مدوّياً
لأنني كنتُ مَن يحمل رأسه بنفسه
فوق رمح عظيم
وكانت النسوةُ والملائكةُ تهرب مني
وهي تحمل طبولها وأبواقها الكبيرة
خرجتُ
لم أجد مَن يقول نعم
لرأسٍ محمولٍ على رمحٍ عظيم
كانت الطرقات جافّة
والشمس ساطعة
والغرباء يتلعثمون
وهم ينظرون إليّ:
ما هذا؟
أهو جنّي أم أنسي؟
أهو صوفي أم ملحد؟
أهو قربان أم خرافة؟
نقطة 4
********
وخرجت
عبرتُ الأسلاكَ والحدود
عبرتُ المعنى والكلمات المتقاطعة
عبرتُ النقطةَ والوحشةَ والحلم
عبرتُ الأحشاء الداخلية والأعضاء التناسلية
عبرتُ الذي خرّب البلاد
وباعها من أجل حفنة من الجراثيم
وعبرتُ الذين باعوا كلّ شيء
من أجل حفنة من الشتائم
واللواتي بعن أجسادهن في سرير الدنانير
وعبرتُ، عبرت
حتّى لم يعد هناك من شيء أعبره
يا فجيعتي
يا مَن قتلتني في سن العشرين
وظلّت تلاحقني حتّى السبعين
أما من راحة؟
أما من هدنة؟
أما من صواب
لهذا الخطأ الذي يحتاط لكلّ شيء،
لهذا الخطأ الذي يقودني من خطأ
إلى آخر أكثر فتنة وصوابا؟!
نقطة 5
********
انظري
لقد تركت
- من أجل أن أنساك –
الفرحَ الذي يتصاعد من دربكة الخيول
والحمامَ الذي يتصاعد من حمحمةِ الرغبة
وتركتُ الأنهارَ المقدسة وغير المقدسة
والجبالَ التي يقفز عليها السكارى
وتنام عليها الوحوش
تركتُ – من أجل أن أنساك –
حتّى ما لا ينبغي تركه لأيّ عاقل أو مجنون
دون أن أنال ما أريد
يا كَرَبي وبلائي
يا بهائي ولوائي
يا شبابي المدمّى
وموتي الأبله الذي ينتظرني
ساهماً في آخر قارات العالم.
إ. هـ
استطاع الشاعر أديب كمال الدين خلق شعريته الخاصة من جهة التعامل الدؤوب مع الحرف والنقطة حتّى أنسن الحرف وأنسن النقطة! فأنت لا تقرأ حرفاً خالصاً كما تراه أنت أو أنا!! وانما تقرأ الحرف كما يراه الشاعر! وليس ثمة سوى التشفير أحيانا والتماهي مع الحرف أخرى وتمجيز الحرف ثالثة في فضاء لانهائي تتوحد فيه الأصوات والمرئيات والمشمومات والمجرات والحبيبات حتّى يعسر وضع حدود بين المحدودات! إذن (الحرفنقطة) باختصار واتساع شديدين عالم القصيدة والقصيدة أيضاً عالم الحرفنقطة! ذلك ما تؤسسه جلّ قصائد أديب منذ ديوان عربي! يمكن للقصيدة هنا أن تطوِّع عالم الحرفنقطة فتخلِّق منه كل مفردات القصيدة وأعني كل مفردات التجربة الشعرية لدى أديب! كيف؟ نعم كيف؟ الجواب هو مقترن بطقوس الرؤية لدى الرائي! الحرف كلّ شيء وكلّ شيء الحرف! السماء حرف والأرض كذلك! القتلة حروف والمقتولون حروف! الحبيبة الطاهرة حرف واللعوب الغادرة كذلك! الثنائيات حروف الليل والنهار الموت والحياة الإبداع والاتباع حرف! ليس ثمة مشكلة على مستوى الرؤية! ولكن كلّ المشكلة في مشغل القصيدة! أن تحوِّل المحسوس مجرداً والمجرد محسوساً! أن تؤنسن مفردات الطبيعة أو تعيد مفردات الإنسان إلى الطبيعة!! أن تتصبب عرقاً وأنت تكابد موسيقا الحروف كي تكون موسيقا القصيدة! أن تدخل بهاء المجذوبية بوعيك وأن تدخل وعيك بمجذوبيتك! هذه مشكلات اعتيادية في توليف الشعرية الجديدة التي تتنزه عن الانتماءات المغوغأة للمدارس أو المذاهب أو الأجيال أو البيانات! لاشيء يشغل بال القصيدة عند أديب! لاشيء يشغل باله يقينا! نعم المتلقي (وهو ضالة المنتج بوصف المتلقي هو المستهلك الوحيد) المتلقي قارئاً سامعاً لا يشغل بال القصيدة عند أديب! تجنيس القصيدة لا يشغل بال القصيدة! ما يشغل بال القصيدة هو الحرفنقطة! لقد ملأت الحروفية حياة الشاعر الشعر وباتت شعريته! فما حاجته إلى السطوع وهو محترق؟ إلى الشيوع وهو مختنق؟ بعبارة مختزلة لقد غرّقت الصوفية الجديدة تجربة أديب! الصوفية ليست قصيدة ولا جلباباً ولا بياناً ولا صلاة! الصوفية تشترط أن لا تشترط سوى الزهد بكلّ شيء سوى المعشوق! فإذا كان المعشوق حرفاً فما حاجة العاشق للآخر إن لم يكن حرفاً!! فلنحاول فقط مراقبة الفعل (تخليق الحروف قصيدة) من جهة المجاز/ الموسيقا! سأرتب سانحة لمراقبة الفعل سوية وأعني القارئ الأول الذي هو أنت أيها القارئ العزيز كما أعني القارئ الثاني الذي هو أنا! وتكون المراقبة بهيئة علامات مكثفة غب أن استغرقتنا التوطئآت! ولنضرب في هذه القصيدة مثالاً لما تواطأنا عليه في التوطئة! من هي الباء؟ أو ماهي الباء؟ أو لماذا الباء؟
ب = بوابة الشاعر
ب = كانت أنثى بلا ملامح ولا اسم! وكما تقول ملحمة حينما في الأعالي (حين لم تكن الأسماء لم تكن الأشياء) فلكي تكون أطلق عليها اسم الباء ثم أطلق عليها اسم النقطة.
ب = جملة اعتراضية لبيان الحيرة! قيل لي كلّ الباء في النقطة!
ب = هي أنثى ربما تكون شبيهة تياما في حينما في الأعالي تشبع مخلِّقَها طعنات وشهوات وروائح!
ب = لم تشف جروح الشاعر من طعنات الباء رغم أنه تقرب إليها بسبعين ملحمة وسبعين قصيدة وسبعين بيتاً! وسبعين وسبعين..! (يقول أبو عمرو بن العلاء ت 154 هـ العرب سبعيون)!
ب = هي أنوثة متجسّدة وليست رموزاً متجرّدة! وآية ذلك خضوعها للجهات الأربع ذات اليمين ذات الشمال! النص جسد الأنثى وفق آلية Personification (الأنسنة) وبذات الآلية جسد الزمن فسلطه عليها! وبذات الآلية جسد اللذات وهي قبلاً صور تجريدية معنوية وليست صوراً حسية! ثم يكتمل التحول الصوفني فإذا ها بين ذراعي ضمير المتكلم وهو معادل مردوك في حينما في الأعالي! فتكون اللثغة علامة ساطعة الوضوح عن المسكوت عنه! فما النهدان والساقان سوى علامة مكملة للثغة! ولن تفوتنا أن تياما هي التي تلثغ بمفاتنها وليست اللثغة حالة تشي بها الصورة الفنية! وقبل أن يقفل النص باب نقطة1 واحد تنبهنا آليات تحليل النص الطعم الذي ابتلعناه! فالصورة ليست جنسية كما أوهمتنا بل هي حالة من الوصول الصوفي والشطح لحظة يتحد العاشق بالمعشوق! نقطة.
نقطة2: استدارة كاملة فلم تعد الصورة الشبقية حسية تلقائية كما النقطة1 بل لجأ النص إلى الهتك والكشف لتكون الرؤية بسعة الرؤيا! اعتراف النص بكابوسية المشهد الأول! المكر الفني قاد إلى التضاد الدلالي! الرؤيا (الحرف/النقطة) سطوع لا تحتمله العين فالمعادل الموضوعي للحالة (قلع العينين)! أن يغمض الرائي عينيه فهذا يعني أنه يتهيأ للحلم ولكن أن يقلع الرائي عينيه فتلك محنة أخرى! النص لا تعامل بسوى الحرف فهو مولاه (سيده/ خادمه) وهو الثنائيات المتعايشة مع تضاداتها على مستوى المعنى الأول! فاذا كانت أنثاه حرفاً وبوابة معاً ثم يؤول الأمر به إلى ماهو عليه! فما من طلب سوى أن يقطع رأس الحرف كي يكون المشهد أدخل في مجرى السياق! يقطع رأس الحروف لكي يعلّقها على بوابات المدينة العابثة (الحزينة!!) ولكن النص يفاجيء التوقع باللاتوقع! ليس ثمة حروف ليقطع رؤوسها! بعبارة ثانية حاسمة ليس ثمة فاعل ليصنع منه النص مفعولا! والسؤال هو كيف حصل الفعل دون فاعل ودون زمن؟؟ فليجرّب النص سلوكاً آخر ليجرّب الخروج إلى الشارع بعري كامل وبهذا الكيف يمكن أن تستفز الصورة لتلقي ببواطنها إلى خارج جلدها! ومرّة أخرى يرتطم التوقع باللاتوقع والتماثل باللاتماثل وفق ارشيبالد مكليش! قارن لم تكن هناك حروف بالمرّة! ثم قارن عارياً تماماً! أهناك ريب في لاكينونة الحروف أم شك في لاكسائية المتكلم؟ مرّة أخرى تنحسر الصورة ليتضح أن ليس ثمة شارع لكي يمارس العري التام في مسافاته! إذن الأنثى هي الحرف والحرف هو العري! والباء التي هي هما وهم تستجن في تصاقب المعنى والنغم في بائي بوابتي بليتي بلبلتي! لقد أقفل المشهد الثاني حركيته وانحسر خلف كواليس التلقي كمرجعية مثلا! من أجل أن نبدأ مع النقطة الثالثة دون بلبلة! نقطة.
النقطة 3: لماذا يلتجئ المشهد الصوفني إلى أفعال الكينونة وإلى تصاريف كان قارن نقطة2 استنفد المشهد ستة من (الكينونة) وفي المشهد3 استنفد أربعة! وكان المعنية فعل ناقص وتام معاً! كان الماضي والحاضر والمستقبل لكي ينحصر المشهد في أزليتها! كان خروجي مدوّياً أمس واليوم وغداً كما نقول وكان عدوي متربّصاً بي أي على مدى الأزمنة الثلاثة! والعرب تصنع مثل هذا مع كان! ونحو لم تكن لديّ حروف فبعض يدخلها في كان التامة باعتداد لديّ حروف مثابة المسند الواحد وبعض يرى أن حروف اسمها ولديّ خبرها! وبعيداً عن تسويغات النحاة وهي عادة مجرد تسويغات ليس إلاّ فان كان النص الصوفي ممتدة على الزمكان الأزلي والأبدي! كان خروجي مدوّياً! بمثل هذا الدويّ ندخل المشهد الذي خرج منه صوت المتكلم! يتعين علينا ملاحظة كيف يغرب المتحدث صورته في متخيل المتلقي ابتداء من (أمشي عليه بقدميّ الملتصقتين ببطني) إلى (كنتُ مَن يحمل رأسه بنفسه فوق رمح عظيم) التغريب معلول العلة التالية علة أن يحار الناس في أمره (أهو جنّي أم أنسي؟ أهو صوفي أم ملحد؟ أهو قربان أم خرافة؟) هكذا وضعنا قبالة أضداد هي في واقعها ليست أضداداً فالجني والأنسي يتعايشان في أهاب الإنسان الواحد وكذا القربان والخرافة استحالا حالة واحدة في الزمن المخرب وإذا كان ذلك كذلك فالصوفي والملحد حالة واحدة في الموروث الجمعي! ألم يُقتل الحلاج العظيم بتهمة الكفر والإلحاد؟ ألم يُمثّل بجسده الشريف؟ ألم يُحرق بأمر أمير المؤمنين ويُذرّ رماده من فوق المنائر لحظات الآذان والتكبير! اليوم محنة الإنسان أشد نكالاً من عصور الظلام منذ أمية قريش إلى عباسية هاشم إلى عثمانية الترك وصفوية الفرس! كان ذلك الزمان أرحم من زمان كلنا فيه القاتل والمقتول والسجين والجلاد! كلنا مؤمن في نفسه كافر في عيون غرمائه! كان المفكّرون يخشون الحكام والقادة لكن لهم عمقاً آمناً لدى الناس! أما زماننا هذا فبات الإرهاب خليقة والناس أشد نكالاً على المفكّرين! فمن حقهم أن يخلطوا الصور لكي يقتلوا الضحية بالصورة التي هم يرسمونها له! نقطة.
النقطة4: هل يتعين على النص أن يضللنا بفعل ماض (خرجت)؟ وهل يتعين علينا أن نصدق؟
النقطة5 الأخيرة: محور النقاط قارن (يا كَرَبي وبلائي يا بهائي ولوائي يا شبابي المدمّى) بمعنى ادخل أن النص بكليته الصوفنية والدلالية تمحور حول ثلاثة نداءات وخمسة منادين يا= كربي+ بلائي. يا = بهائي + لوائي. يا = شبابي المدمّى!
وشعرية الدلالة هنا تحوم حول الحالة الغامضة لماذا كرس النعت(المدمّى) للشباب بينا ترك الكرب والبلاء والبهاء واللواء دون نعوت! وعند هذه النقطة التي أثرتها والتي تصلح لقراءة ثانية أخرى أضع نقطة الخاتمة.
حوار النقطة والحرف
د. حاتم الصكَر
استراح الشاعر أديب كمال الدين (بابل ـ 1953) للحروفية الشعرية واتخذها هوية فنية
وأسلوبية له، على مدى تجربته الشعرية التي تبدأ بديوانه تفاصيل (1976) وتترسخ في
إصداراته اللاحقة مثل: (ديوان عربي) ثم (جيم) و(نون) و(أخبار المعنى) و(حاء)
و(النقطة) حتى ديوانه الأخير(ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة) 2006 ـ الذي أرى فيه
مراجعةً من الشاعر لتجربته الحروفية التي تدرجت وتطورت من البدايات حيث الانبهار
بفكرة استضافة القيم الحروفية وإنشاء ما يشبه الميتانص الأبجدي الذي يراقب فيه
الشاعر وجود الحروف وهيآتها التركيبية في الكلمات والجمل منشغلاً بذلك عن معانيها
ودلالاتها وما يمكن أن توصله أو تحمله من صور وأخيلة، ليستطيع من بَعد تفجير
طاقاتها الجمالية الصورية والتعبيرية، مع اقتراض فرضيات صوفية ـ إشراقية غالباً ـ
حول وجود الحرف في القصيدة والروحانية التي نظر بها الصوفيون للحرف والنقطة، لاسيما
في المفاهيم الحلولية حيث يشبّه الصوفيون المخلوقات بالنقط الممتدة من ـ أو
المنبثقة عن ـ النقطة الأولى أي الخالق الذي فاضت عنه وامتدت في خط الوجود الذي هو
عبارة عن مجموعة نقاط، إذا فصلت أياً منها فلا يعني ذلك انقطاعها عن النقطة الأولى،
بل هي لا تمتلك وجوداً منفصلاً خارج هذا الوجود الخطي الذي تظل تهفو للعودة إليه
والاتحاد به كما تحن القطرة لبحرها الذي تبخرت من مائه.
ولا تخفى بالدرجة الثانية أو كعامل ودافع إضافي تلك المؤثرات
البصرية في تجربة أديب كمال الدين التي أجد لها مظاهر تشكيلية نمت في الرسم العراقي
لدي جميل حمودي، ثم بانتباه للبعد الفلسفي المعمّق لدى شاكر حسن وتلامذته والتجارب
العربية في هذا المجال أيضا مثل رسوم فريد بلكاهية ورشيد القريشي واللبّاد وغيرهم.
ولكن أشدّ المؤثرات وضوحا هي التجربة الإشراقية للتوحيدي وتحليله المتقشف والنوراني
للحروف لاسيما في الإشارات الإلهية.. وحفرياته الجمالية والفلسفية في دلالات الحروف
ووجودها الجَفري والروحي.
الإضافة التي كان أديب يبرر بها انغماسه في حروفياته الشعرية والتي بدت لنا مستساغة
وغير مقحمة، هي وجوده كشخص داخل هذه الحدوس والمحاورات والملاطفات الحروفية التي
يقلّبها ويتأملها وينهمك في استجلاء جمالياتها، وما يرى من طاقة تعبيرية كامنة
فيها.
في حواره الطويل مع الحروف يستعير أديب لسان متقشف يتأمل مادته ولا ينصرف عنها إلى ما تعنيه خارج وجودها الكولغرافي المجرد. إنها كحياته ذاتها وُهبت له، لكنه بدل تسييرها وعيشها يمددها أمامه على أرض القصيدة ليدقق في مغزاها، ويوقفها ليتساءل عن جدواها ومعناها، فينصرف الزمن ويمضي وهو يناجي حياته مفرداتٍ ودلالات. هكذا كان أديب يصنع بمادة قصائده، يفتتها كطفل منبهر بلعبة، ثم يحاورها ويسائلها ويُسقِط عليها حياته كلها.
اليوم وبعد حواريات كثيرة يغيب الشاعر منسحباً تكتيكياً وبمناورة فنية من المشهد الحروفي التأملي ليترك مفرداته الحروفية تحاوِر بعضها: فالنقطة والحرف كوجود لازم مثل وجود التوأم في الرحم، يتخاصمان ويتراسلان في جدل معرفي وجودي وجمالي:
وسألت النقطةُ ثالثة:
هل من الشؤمِ أن أرتبط بك
ارتباط الأرض بالسماء
وارتباط الحلمِ بمخيلةِ الشاعرِ/ الطفل
وارتباط الجيمِ بالجثةِ والجنون؟
هل من الحقِّ أن تضيع معي
بحثاً عني
وأنا بعض منك؟
والحرف يعاني كذلك في متاهة الوجود والسؤال ومعاناة الانفصال عن ذاته:
لم أعد من نفسي بعد
ضعتُ في نقطتها القاسية
وتضاريسها المليئة بصور الموت.
وأحياناً يتهادن الحرف والنقطة كأنما تجمعهما المصائر والنهايات المتوقعة أو المنتظَرة، وكما يفعل البشر يهدءان ويتناجيان نادبين ما يحصل لهما:
وسألت النقطة ثانيةً:
ما الذي أتى بنا من الشرق إلى الغرب
من الحزن إلى الكآبة؟
فأجاب الحرف:
هل كُتبت علينا اللوعة في اللوحِ المسطور
أم كُتِب علينا الحرمان إلى أبد الآبدين؟
يحس قارئ الديوان أن ابتعاد الشاعر عن حروفه ليس إلاّ تسمية أخرى لوجوده وراءها أو فيها، فهو يقوِّلها ما يريد كعراقي في قلب اللهب، في مركز دائرة الموت المتعدد الأسماء والأسباب والموحَّد النهاية، حزنه وجوده مقتَلعاً منفصلاً عن حاضنته وطفولته وصباه ولنلاحظ أنه في ختام معركة حروفية بين الحرف والنقطة يستبدل صهيل الكلمات بصهيل الناس(قصيدة: ضجة في آخر الليل).
هكذا تعود للحرف والنقطة رمزيتهما التي دأب الشاعر على استثمارها مما يجعلنا نتساءل: كيف ومتى سيخرج أديب كمال الدين من شرنقة حروفه؟ وكيف ومتى سيطلق وجودها المرتَهَن في النص المتعالي الذي يقيمه فوق هيئتهما البنائية مؤجّلاً تشكيلات المعاني وتوسيع الدلالات، إلا ما اتصل منها بالوجود الخطي لتلك الحروف والنقاط خارج ما تنتجه من معان أو تتنضد في تراكيب جملية نفعية.
ولنستعن الآن بتفوهات الشاعر نفسه خارج نصوصه وبالذات في مقابلة أٌجريت معه ويبدو أن لها موقعاً خاصاً في نفسه إذ ألحقها بالديوان، وعنوانها: قصيدتي رسالة حب حروفية، يؤكد فيها أنه أراد(استكناه سر الحرف وإطلاق مسراته العميقة أو حرمانه العظيم في لعبة المأساة لخلق أساطيري الخاصة. الحرف كما أرى شبكة لصيد البهجة، والحلم، والشمس، والفجر، والألم العظيم..).
وأحسب أن الشاعر رضي بدور الصياد الذي تنوب عنه طريدته ـ الحروف ـ وتقول عنه ما لا يقوله هو.
"ما قبل الحرف..ما بعد النقطة" لأديب كمال الدين:
حروفية الشعر من التجريب إلى حادث التجربة
د. مصطفى الكيلاني
الحروفية في الشعر بعد المتداول من الحروفية في الرسم ضمن الفنون التشكيلية العربية، والعراقية منها على وجه الخصوص: تلك هي أبرز سمة لتجربة أديب كمال الدين في كتابة النص الشعري.
إنّ الحروفيّة العربيّة، إجمالاً، خَطيّة وشعرية في الآن ذاته، لأنها من المكان وإليه، وذلك لانفتاحها على كل الاتجاهات وهي قائمة في الزمن أيضاً، كأن يتقاطع في بنية الحرف العربي كلّ من حركة اليد ومجال الرؤية( العين) والإبصار(من البصيرة). وما احتفاء أديب كمال الدين بالحروف العربية عند استقدامها إلى الشعر إلاّ بعض من الاحتفاء بتُراث الحُروفية العربية والثقافة الحافّة بها. فهل يواصل الشاعرهذا النهج في "ما قبل الحرف..ما بعد النقطة"(1) أم هو الاسترسال والقطع في آنٍ واحد بتأثيرات الوقائع الحادثة؟
1- لطفولة الحرف بعض كثير من طفولة الاسم، ما بين الصوت والصمت.
إنّ اهتمام أديب كمال الدين باللغة هو في الأساس ضرب من الاستدارة التي يُراد بها استعادة البدء الأول في تاريخ الحرف، كما يَنكتب في ذاكرة الذات الشاعرة و يرتسم بمخيالها الأقرب إلى التداول منه إلى الإطلاق. فالتفكيك منهج لازم عديد الدواوين السابقة للشاعر(2)، وقد حايثتْه رغبة الاستضاءة بعتمة الحرف الصوت أوالصدى، إذ لطفولة الحرف، هنا، بعض كثير من طفولة الاسم، كَلوْثة المعنى البدائي تُصيب الكيان وتظلّ في الأثناء متلبسة بظلاله، تحمل ذكرياته الهاربة عن سطح الوعي، بدلالة السالف المُعمّى، ما قبل الحرف وما قبل الوعي بمُشترك ذاكرة الاسم والاشتغال الحيني لها استناداً إلى مُجمل الخبرة الفردية. كذا تبدو إقامة الكتابة الشعرية بين "ما قبل الحرف" و"ما بعد النقطة" ضمن الخانة المعتمة التي هي الصمت تقريباً. فأدبية الصمت هي في صميم أدبية الكلام وإن اختلفت عنه في الماهية وسياق الفعلية اللغوية، لأنّ الكلام هو، في الواقع من الصمت وإليه شأن صلة المعنى باللاّ- معنى(3). وبالصمت يضحي الكلام قادراً بالفعل على التكلّم، شأن الفراغات الصامتة في العمل الموسيقيّ يُحوّل الصوت الموسيقي إلى فجواتٍ دالّة بالكثافة السمعية والكثافة السمعية الناطقة بتلك الفجوات. فكيف يشي الصمت بالأبعاد الأخرى للكلام؟ كيف يتجاوز أديب كمال الدين في هذا الديوان دائرة التجريب اللغويّ إلى تجربة الحياة ذاتها بمختلف تقلباتها ومآسيها؟ أليست كتابة الصمت،هنا، انطلاقاً في طور ما بعد تفكيك الكلمة والجملة إلى إحداث لغة شعرية مختلفة هي وليدة متراكم أفعال التجريب الكِتابي السابقة ووهج الوقائع الصادمة بَدْءًا بالخطوب التي حلّت بالوطن (العراق) ومروراً بالندوب الناتجة عن صدمة الاحتلال في النفس ووصولاً إلى مشاقّ الحياة في المهجر وعذاباتها.
2- ما بين سرد الحال وشاعرية الحدث.
لقد استدعى تفاعل هذه العوامل في الذات الكاتبة الإبدال الذّي حوّل النص الشعري من "لعب لغويّ" إذا جازت العبارة، يُقارب طفولة الاسم وطفولة المعنى في الموروث اللّساني الفرديّ والجماعي إلى كتابة التجربة بمُقاربة التخوم القصية لفاجعة الانقضاء واحتمال أذى الكارثة السالفة والحادثة، كتفاقُم حال السأم والشعور الحادّ بالخواء والقرف المُلازم للكائن والدهشة أمام انحباس الأفُق والرعب من المصير. فتصف الذات الشاعرة وقائع الكارثة والسأم كي توصف من خلالها بضرب من التداخُل الخاص بين سرد الحال وشاعرية الحدث بمنظومة استعارية مختلفة عن سابقتها، تُحوّل اللغة الشعرية من سياق لُغويتها عبر تداوُل حادث، تستعيد به الكلمة نظامها الدالّ بُغية مقارنة حجم الكارثة التي أصابت الكائن والكيان بعد أن تفتحت بصيرة الشاعرعلى فاجعة الانعزال بدلالة الفرد والمجموعة التي ينتمي إليها، وبمنظور تجربة المهجر، وابتداءً من "الأصدقاء الأوغاد والمنفيين والسذّج"
"حين جلستُ إلى الساعة
كانت الساعةُ شاباً مقتولاً
قرب كنيسة أحزان العالم
جاء أصدقائي الأوغاد والمنفيّون والسذّج
ووضعوا صليباً خشبياً
قرب دماء الجثة
ووضعوا ورداً لا اسم له
وآساً وفاكهةً معفّرةً بالتراب
قالوا: مَن هذا المقتول؟
ومامعنى الساعة؟" (4)
فيتحدّد بَدْءُ الإبطان الواصف بوعي الزمن، هذا الشعور الحاد بانهدام نظام ما يتّخذ له مجاز الساعة المتحوّلة من آلةٍ دالة على الزمن إلى كائن قتيل. وإذا الصورة المشهدية تتناسل في الأثناء بتداعيات لحظة الكتابة ذاتها على شاكلة تحويل داخلي سريع الحركة يتخذ له نسق الاطراد الحدثيّ تبعاً لِنَسق تشجيريّ ينتشر بعديد الصور الفرعية لينغلق بالمُساءلة عند الوصل بين " المقتول" و"معنى الساعة".
3- موضوع الرثاء: موت أبديّ تقرر قبل الولادة.
يتكرر فعل المساءلة برغبة الكشف عن مُخبأ دفين في الذات المتفجعة، إذْ ثمة حال من السقوط الداّل بَدْءًا، وحسب الظاهر، على تورُّطٍ مّا يُؤنب النفس ويدفعها إلى ضرْب خاص من الاعتراف (confession) الذي يعتمد إيماء الشعر ويتوسّل بالإيحاء والرمز وتكثيف الصورة، وينتصر لتدلال الموت على دلالة الوجود المُعَنَّى، ويسعى إلى كتابة الرمز المختلف عِوضاً عن رومنسيّة وصف الحالات وتجريبية اللغة، كَسالف خبرة الكتابة الشعريّة قبل المهجر داخل الوطن الحابس والحبيس. كذا يزخر النص الأول من الديوان بعلامات الكارثة وانعدام المعنى- القيمة واستبداد الفاجعة: تكرار فعل الاستفهام،"موتي الأبديّ، ضياعي في جسد من لعنة الحبّ، عذابات الرغبة والشوق، مأساة من عسل الوحل، درج يمضي حتى الأسفل، جثة ذاك الشاب المقتول، صيحات صليبه، فواكه قلبه المعفّرة بالتراب، مقتولاً جئتُ إلى الدنيا وسأغادرها مقتولاً أيضاً، أصدقائي الأوغاد والمنفيّون والسذّج، دمي المتناثر، فاكهتي المُلقاة على الأرض، أخرج (...) سكيناً ليهددني، شتمي، كتابة تقرير سحريّ أو سريّ، درجي الهابط إلى الأسفل، أيامي: أيامي الريش، قُتِلتُ قرب نهر ميّت، حملوني في تابوت أسود، حفروا الأرض ووضعوني فيها، المنفى...". فتتجاوز هذه الألفاظ داخل ملفوظ هو أقرب مايكون إلى مرثية حادثة لا علاقة لها بنموذج المرثية العربية التًُراثية، لأنّ الراثي والمرثي في هذا السياق هما من رحم دلالي واحد ولا تبعيد بينهما، كما لا معنى للتعليل أو التبرير أو تعيين الفاجعة باللحظة، إذ الذات الراثية والمرثية مَعاً لا تصف فاجعة عارضة، وإنما موضوع الرثاء يخص "موتاً أبدياً" تقرر قبل الولادة بمطلق زمني، وتحدد عند الولادة وبعدها إلى ما لانهاية. فهذا "الموت" قريب في الدلالة من "موت" علي جعفر العلاّق(5)، لأنّ السياق المجتمعي واحد والمرجع الأنتروبولوجيّ مشترك وشروط التمثُل أوظروفه متشابهة حدّ التماثل الدلالي والتدلالي أحيانا عديدةً.
ولئن جرّب أديب كمال الدين شاعرية اللغة وعفوية الكتابة والأقنعة اللسانية المترددة بالقصد الإيحائي بين الجملة واللفظ والحرف (الصوت) في الدواوين الشعرية السابقة فإنه في "ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة" يندفع إلى "الوراء" بإرادة كاتبة جديدة أنشأتها ضخامة الكارثة الحادثة وظروف المكان-المهجر حيث الإشكال الكينوني، هنا، قائم على أشدّه: وطن بلا حُرية في السابق، وتحديداً حُرية الفرد، وحرية بلا وطن في الزمن اللاحق. وليس للذات الشاعرة حرية الاختيار بينهما. لذلك نراها تكتفي في الغالب بالاستذكار المُضمر والفرار من راهن الضياع إلى "ضياعات"أخرى أشد أذى للروح وأبعد إيغالاً في الجُرح الفاغر فاه، النازف عَذاباً وقَهْراً.
4- التخوم القصيّة لوعي الموت: فيض العلامات الدالّة على الرغبة.
إنّ تفاقم الحال الباتوسيّة بمختلف علامات "الموت الأبديّ " وإمكان دلالاته يُفضي حتماً إلى التخوم القصية لوعي الموت، إلى الرغبة بفيضِ من العلامات الإيروسيّة وإمكان تدليلها على معنى الوجود، بمُتبقّى الرغبة وإرادة الرغبة، بيقظة الجسد يستحيل إلى جسدية منتفِضة كاتِبة، كأن تتجمع كُلّ الحواس وقوى التعقيل والتخييل والحدْس في مواطن تُداخل بين الموت والرغبة، للتخوم الواحلة بينهما، كالمدّ والجزْر في تموُّجات النفس المزحومة بصور الخراب والكارثة والفجيعة والمهووسة بالحاجة إلى إحبال الوُجود معنى، برمزية فحولة القلم وذكورة الرغبة المتعطشة إلى التواصُل مع أنثى، هي الحُرية إمكاناً للتسمية، وهي الفعل الكاتب الذي يزرع الحُبّ في رحم البياض، ويسعى إلى إكساب الخواء روحاً بمشترك الحالين الباتوسيّة والإيروسيّة، بالألم واللَذّة، بالدّم والحِبْر، إذ ينفتح "طوفان" صور الخراب الفراغ الكارثة على "البحر" بمُختلف رموزه الدالّة عليه، كما يُفضي الجسد الحبيس المستنزف القُوى إلى "جسديّة " عاشقة حالمة متشهية، وبذا تتعالق السيولة ورمزية "لعبة الفراش" وجنون الرغبة ورمزية الغُرف والموت:
"أنت تشبهين البحرَ في كلّ شيء
نعم،
هو أزرق
وأنتِ زرقاء
هو ساذج أخرق
وأنتِ ساذجة أكثر مما ينبغي
هو صاحبُ المعاني التي تبدأ بالفراش
وتنتهي بالموت
وأنتِ صاحبةُ الفراش
هناك يبدأ معناكِ بالظهور
شيئاً فشيئاً
لينتهي بالغرق والموت." (6)
إنّ بلاغة التشبيه في بناء هذه الصورة وجه آخر حادث للإنشاء الاستعاري، كأن يتجاوز التشبيه البليغ في هذا السياق المنتظرالدلالي إلى ماهو أبعد من الدلالة، ليفقد بذلك صفة التشبيه المعتاد، إذ يتعالق كلّ من البحر والأنثى المُخاطبة في أقصى التخوم لِكُلٍ منهما، بالمشترك الذي هو الفراش والظهور وما بعد الفراش والظهور إلى "الغرق والموت" ، بأن يستحيل المعنى إلى "لامعنى". وإذا نصّ "هو أزرق وأنتِ زرقاء" نشيدة الرغبة والموت تُصاغ بأسلوب التكرار، بالتعالق الحميم مُمثلاً في التشبيه، وبالانتشار الدلالي الذي سرعان ما أفضى إلى استدارة ، كالرغبة يعلو بها الفعل إلى الذروة لتنحدر سريعاً إلى الأسفل حيث التذكير بالقتل أو الغرق أو الضياع أو "السكاكين" أو "الذكرى" أو الموت المُفضِي إلى موت، ولاشيء آخر عدَا الموت. وكأنّنا بأفعال الانتشار والتراجُع المتكررة على امتداد المقاطع السبعة نشهد تصديةً للصوت المُعلن في النص الأول من الديوان، بأن نستعيد وُجهة البدء بعد محاولة تغيير الاتجاه أسلوباً ورُؤيا. وإذا الإنشاد مُمثلاً في النص الشعري الثاني من الديوان انفتاح على الأنْتِ الماثلة في الأنا، وانغلاق عاجل يُنهي تكرار فعل الانفتاح لتصطدم الرغبة بالاستحالة، والأمل بالألم، والحُلم بالموت المستعاد أو الأبديّ، كالمُقابلات التالية التي تصل بين بدايات المقاطع ونهاياتها:
- "أنتِ تشبهين البحرَ في كلّ شيء (...)
لينتهي بالغرق والموت
- نعم(...)
لمئاتِ الفارّين من المعركة
- وعلى ذكرِ القتل والزلازل(...)
بل بسكين تغرقُ في الصدأ والطين
- ما أحلاكِ إذن(...)
ومليئةً، في آخر المطاف، بضياعي الأعمى
أنتِ تُشبهين البحر(...)
حاملاً، كلّ ليلة، المشاعلَ والسكاكين
- أنتِ تُشبهينَ البحر(...)
خلف ذكراكِ الحيّة الميّتة
خلف ذكراكِ المقدّسة!
- أنتِ تُشبهينَ البحر(...)
ومن قصيدةٍ إلى قصيدة
ومن موتٍ إلى موت!"(7)
5- شهوة التجريب اللغوي المزحومة في هذه المرّة برغبة البَوح.
هو التكرار اللفظي والتركيبي والدلالي، إذن، يُكسب هذا النص صفة الإنشاد، بالنسق الإيقاعي الواحد يتكثر في الداخل، وبالتوزيع اللفظي وإعادة التوزيع عند إحداث تغيير في الاستخدام اللفظي تُعادُ به جَدولة الألفاظ وتمدُّد النسق بحركة اطراد دون الخروج عن حدود هذا النسق، كأن يظّل البحر وأنتِ والواصف (الأنا المُضمر) حاضرة باستمرار على امتداد النسق في حين تتغايرالألفاظ والسياقات الموقعية وتتوالد الصُور في الداخل ضمن صورة بدائية ومرجعية واحدة: الرغبة تتغنّى بالموت، والموت يتماهى والرغبة. وكما يتحدد أسلوب الإنشاد بالتكرار فإنه يستدعي بلاغة الإنشاد القائمة على النداء (المُخاطبة)، كمن يبحث له عن أُفق خارج كثافة العتمة، خلافاً لبلاغة الخبر التي صيغ بها النص الأول عند توصيف جحيم الوضْعية وانحباس الأفق. وكأنّ الوطن الغائب في النص الأول يستدعي إليه وطناً هو حُلم الكتابة الشعرية التي يُراد من غير أن يتحقّقَ، وذلك لاستبداد الموت الكارثة الفراغ... لذلك كله يستحيل الإنشاد إلى وجه آخر للرثاء بتوحُد الرائي والمَرْئي. غير أن الجسدية الكاتبة في النص الأول مُضمرة، حبيسة الأنا وماوراء الذات الكاتبة، محكومة برغبة النعي والإخبار في حين ينجلي مشهد النعي في النص الثاني من الديوان عنها بسبب الرغبة التي تُضحي إرادة للفعل الكاتب وإنشاداً يُعالق بين حُلم الذات الكاتبة الراغبة والأنوثة-الرمز والعالم بأشياء "البحر" المُتخيلة الدالة عليه.
ولئن اتّجهت ذائقة الكتابة بَدْءاً في هذا الديوان إلى توصيف الفاجعة الحادثة بضَرْب خاصٍ من البوْح بعيداً عن قناع اللغة أو تجريبها الذي ساد الدواوين السابقة فقد استعادت في الاتجاه الآخر بعضاً من شهوة هذا التجريب بحديث "النقطة" وموضوع الحرف(8) ليتعالق في هذا الديوان أسلوب حادث يصف الفاجعة دون التوسُّل بقناع اللغة وأسلوب سالف هو في صميم التجريب اللغوي الذي استحال من "قناع" إلى أسلوب حافّ بالحادث وتبعاً للوظيفة الجمالية بعيداً عن استخدام القناع الصفيق في سالف الكتابة. وحتى النصوص التي استعاد بها أديب كمال الدين شهوة التجريب اللّغوي مزحومة برغبة البوْح عند توصيف الكارثة التي حلّت بالكيان الفردي والجمعي. لذلك يتفارق الأسلوبان عند التفكيك القرائي ليتأكد في الأثناء تلبُّس كلّ منهما بالآخر ضمن كتابة أنشأها مسار التحوّلات في حياة الذات الشاعرة والجديد الطارئ في وعي الوجود والكتابة منذ خَوْض تجربة السفر والانتقال من مكان إلى آخر. فما يوصف بالتجريب اللّغوي، حسب الظاهر، ليس إلاّ تقليباً، بوُجوه مختلفة، لحال الموجود (Etant) المزحوم بأطياف الجريمة والدّم والسواد وضياع الوطن وفراق الأهل والأحبة، ليتعاظم الموقف التراجيدي ويحتدّ بوضعية من يعيش حرية بلا وطن، كأن يحمل عذابات ماضيه وأحلام راهنه دون وُجهة أو اتجاه.
6- تصادم الألفاظ وتداخل الحروف: نظام جديد وتنبيه إلى مزيد من الفَوْضى.
كذا تشهد الكتابة في "ضجة في آخر الليل" من الديوان ارتباكاً هائلاً، مَوْضعُه اللغة، إذْ يتفكّك منطق التداوُل اللّساني بحادث الوضعية، وتعصف بسكينة الكلمة واستوائها "زلازل" الوقائع الجديدة برمْزية اختفاء النقطة وتصادُم الألفاظ وتداخل الحروف واستبداد "الفوضى" ب"النظام" إيذانا "بنظام جديد" أو تنبيهاً إلى مزيد من الفوْضى:
"أما النقطة
فاختفتْ وسط بيت خيانتها المنيف
لتترك الحرف يبكي ويصرخ ويولول
وسط صهيل الكلمات
أعني وسط صهيل الناس!" (9)
وأول التداعيات في توصيف هذه "الفوضى" سقوط التماثيل، كُلّ التماثيل التي تعني وثوقات موروثة وأخرى مكتسبة في سيرورة الوجود الحابس والحبيس، عدا الحُرية، هذا الحلم القديم الجديد، السالف الحادث، الأمل، البوصلة الأخيرة المُتبقية في صحراء الوجود، المرجع والأفُق، آخر إمكان قد تُضحي به الفردية مشروعاً قابلاً للتحقق رغم كُلّ العلامات الدّالة على التسلط عَوْداً إلى تاريخ السُلالة ومُروراً بالجرائم الفظيعة المُرتكبة في حق الكيان الفردي والجمْعي على حدٍ سواء:
"نعم
كلّ تماثيل ذاكرتي
كانت مهشمة، بدون رؤوس
وحده تمثالك
كانَ كاملاً
ولا ينقصه إلاّ الكلام!" (10)
7- وعي استذكاري راهني استباقي في الآن ذاته.
غير أن الاستذكار، وإن نزعت الكتابة إلى تفاديه باستقراء اللحظة (الآن)، جدار سميك لا يدع فعل الكتابة يندفع بإرادة قوية واضحة نحو تأسيس زمن جديد. لذلك تطفو على سطح الدلالة الشعرية في "مطر أسود.. مطر أحمر" مشاهد الخراب القديم والحادث، عَوْداً إلى تاريخ الجرائم والحروب والخرائب والحرائق والنزيف الدموي بتقليب صُور الموت القديم والجديد. وإذا الموصوف الكارثي لوحة شعرية تُداخل بين الأزمنة والمواقف بسياقٍ جامع يُقضي إلى حقيقة كارثية: "وضاعت معهم بغداد إلى الأبد" (11)
هذا الوعي الاستذكاري والراهني والاستباقي في واحد هو الذي يحتم التوسُّل بكلّ الأساليب وإمكانات التدليل باللغة على الكارثة مُمثلةً في واقع الهلاك الذي اختار الشاعر لتسميته لفظ "الموت" بمُختلف العلامات الحافّة به. فيتخذ البوْح له إيحاء التورية عند استخدام أسلوب التجريب اللغوي وحادث فجاجة التوصيف الكارثي شبه المُباشر، لما للموصوف من فظاعة معلنة وانتشار صادم للوجدان الفردي والجمْعي على مسرح الوقائع اليومية. إنّ الفظاعة، هُنا، أوسع مدى وأعمق دلالةً من أنْ يحدها لفظ. لذلك تسعى الذات الشاعرة إلى الحفر في ما وراء اللغة بتفكيك بنية اللسان والتنقل في الفجوات الفارقة بين الحروف، في الأنفاق والسطوح القائمة بين "ما قبل الحرف" و"ما بعد النقطة"، حيث الصمت والكلام يتعالقان ضمن علامية مخصوصة هي أقرب إلى الإلماح منه إلى الإفصاح، وإلى المجهول منه إلى المعلوم، وبالرثاء الذاتي أحياناً عديدةً:
"يا شبابي المدمّى
وموتي الأبله الذي ينتظرني
ساهماً في آخر قارّات العالم." (12)
ولئن بدَا الحرف مطواعاً لإرادة الذات الكاتبة في تسمية الحالات والمواقف السالفة فهو عاجز عن أداء الحالات والمواقف الحادثة. وبهذا المنظور التباعُدي بين ما كان ويكون في أداء المعنى المُلغز تُضحي اللغة على لسان النقطة في "اعترافات النقطة" من الديوان ملفوظاً وذاتاً متلفظة يُقيمان داخل دائرة العجز عن التدليل رغم تراكُم الخبرة في تسمية الأشياء باللغة، ولغة الشعر تحديداً. كما يُسهم المَحكي في أداء هذا المُبهم والكشف عن مأزق الكيان في سرد حكاية الأسرة الوطنية أو البشرية آن استقدام وتغليب حدث اليأس بالهلاك والهلاك باليأس على مختلف الأحداث:
"قلتُ لنفسي
وأنا ألفظُ آخرَ أنفاسي:
نعم
العطش أرحم
الموت - أعني الصحراء – أرحم!" ( 13)
فالتيه-الموت هو الملاذ الآخر والأخير من "القوم" أو "العشيرة"، حيث شريعة القتل هي أساس القيسة ومرجعها، والدم هو المعنى الذي يعوق أي معنى آخر عن التشكّل. وليس للذات الشاعرة، هنا، إلا أن تختار بين الإقرار بانتمائها العقيم إلى قيم "العشيرة" القاتلة للفردية وإرادة فِعليتها وبين الخروج على إرثها، بتُراث الكتابة الحادثة رغم القيود والسلاسل المائلة في داخل النفس الكاتبة:
"كان بإمكاني أن أروّض شيئاً من جمهرة الحروف(...)
لكنّ الدور كان صعباً حدّ الطوفان
والجسد ضعيفاً كان(...)
كان الدور صعباً
إذ كان دوري دور أوديب(...)
ودور المأمون ودور الرضا
ودور الذي حُمِلَ رأسه فوق الرماح
ودور الذي صُلِبَ على جسر الكوفة
ثم ذُرّ بوسط الفرات..." (14)
فالكتابة، بهذا المنظور، هي وليدة القهر القديم والحادث، المُنْقضي والمستعاد. لذلك نراها مسكونةً بصُوره مدفوعة إلى الحُرية ونقائضها، تحمل كوابيسه وآثاره العميقة الدامية في تلافيف الذات واللغة، تغالب أوجاعه وعذاباته وتزدحم بمُتراكم وقائعه رغم الانفلات من المكان إلى المكان، بخَوْض تجربة المهجر، إذ القهر ماثل في النطفة الأولى، قائم في تاريخ السلالة عبر مختلف الأزمنة.
8- الموت باعتباره اسماً لمُسَمّيات شتّى.
كذا تتكرر علامة الموت بمظان مختلفة تبعاً لاختلاف واللحظات الواصفة والموصوفة، كأن يشي الانحباس بإمكان للانعتاق ويحتجب أفُق الانعتاق في سميك الحاجز المانع، بمُفارقة تتكرر أساليبها ووضعياتها في هذا الديوان:
"بابُ الموت رائع بانتظاري(...)
لكنه حين عزفَ الموت
ذُهِلَ على الفور
إذ أحاطتْ به مئاتُ الجثث(...)
لم أزلْ أنتظرك
مستمتعاً بانتظارك
مثلما تنتظر شجرة وحيدة في الصحراء
صاعقةً أقبلتْ إليها من السماء
مليئةً بالنارِ والموت..."(15)
إنّ الموت في مسار الموصوف الكارثي الخاص بوضعيّة الذات الكاتبة اسم لِمسمّيات شتى، إذ قد يعني الهلاك الدمار انتفاء المعنى انهيار القيمة القتل، وقد يعني أيضاً إمكان التحرُّر الأفق المنتظر الرغبة في الحياة وبالحياة الانقضاء البطيء بالكتابة الإبدال بمفهوم الانبعاث سقوط مختلف الأقنعة القديمة والحادثة الوجه الآخر للحياة، إنْ تمثلنا صلته بالنار (مليئةً بالنار والموت). فلم يتبقّ للذات الشاعرة، بهذا المعنى، سوى مغالبة تاريخ الجريمة بالشعر واللغة، كـ" قصيدتي المغربية" تتعالق ضمنها "الأبجدية" و"الحبيبة المغربية" والحلم والجنون وشهوة الكتابة والهذيان "ومرايا الطفولة" والماء والنور والنار بـ"فُحولة" الفِعل الكاتب وممارسة "طقوس" النار على شاكلة الإحراق والاحتراق، تطهيراً وتطهراً. وبذا تُضحي الكتابة في الجسد وبالجسد مُحاولة توالُج وإيلاج مَعاً عند تحرير الجسد من عديد أطياف كبْته بالرمز الإيروسيّ الذي لا ينقطع عن وعي الموت (الحال الباتوسيّة)، بل يعمق به عِند بيان القصد من حُلم الكتابة والكتابة ذاتها:
"فإذا بالمغربية صارتْ كلامَ الجسد
وجسدَ الكلام
وإذا بها غيمةً من هيام
وإذا بها تنفثُ في روحي سحرَ الكتابة..." ( 16)
وكما تلوذ الكتابة باللغة أداةً للإفصاح عن المُخبّأ الدفين في قيعان النفس من أحلام وكوابيس وذكريات وسيول ورغبات تخترق بنية هذه اللحظة باعتبارها مجالاً للتواصُل وحيّزاً للتناص، كأن ينشأ حوار مستفيض بين النقطة والحرف في "حوار النقطة"، النص الشعري الذي حوّل فيه أديب كمال الدين السرد من الوصف إلى التخاطُب بتداعيات حال متكلمة تُؤالف بالقصد بين ما يُشبه لغة الهذيان وهذيان اللغة، إذ تتعالق دوال العقل وماوراء العقل أو نقيضه الماثل فيه، كتواصل الحِكمة والعبث، المعنى واللاّ-معنى الذي هو قصد آخر للمعنى المختلف. وكأن الكلام، في هذا السياق، حد أقصى يشي بالماوراء الذي قد يُسمّى صمْتاً أو مَوْتاً، رغبةً بكراً أو رَغبة تنزع إلى إحبال الفراغ معنى لم يتخلّق بعد نتيجة اتصافه بالما- قبل البدايات الأولى، رمزيّة "صيحة الماء":
"ما الذي حدثَ لك
لتقودكَ خطاكَ إليّ
أنا ملكة الرغبة
وصيحة الماء التي لا حدود لها؟" (17)
فالنُقطة، بهذا المنظور، أشبه ما تكون بالرغبة، لاقتران ماهيتها بالبدْء والانقطاع، أو الانقطاع الذي يليه بَدء. فكما تصل النقطة بين الابتداء والانتهاء على شاكلة استدارة تُقارب حركة الوجود فهي العلامة التي تُجسّد وضعية الدائرة المُغلقة بالنسبة للذات الشاعرة، كأنْ تتكثف صور الموت المستعاد والدم ودلالات القهر على امتداد نصوص هذا الديوان. وكما يرتبك وجود المعنى في زحمة هذه الصور تتردد لغة النص الشعري بين الاسترسال والانقطاع، ويفقد الجسد كثافة الحضور بتكرار واقع "الجثة" المتخيَّل(18) وتكاثر أسئلة الموت:
"هل جرّبتَ الموت؟
ما علاقة المرآة بالموت؟
بل ما علاقة المرأة بالموت؟
بل ما علاقة المرآة بالمرأة؟
وما علاقة الموت بالموت؟" (19)
فالموت هو مختصر وضعية، ومُجمل وعي الأزمنة في ذات الشاعر، وإفراد دال على جمع دلالي، ورحم مُنجب للمعاني الحادثة والمُمكنة، وعلامة رمزية للتخوم القصية للحياة، وهو بالإضافة إلى ذلك إمكان للخلق تجريباً لغوياً بالفسخ والإنشاء، كالتردد المقصود بين الحرف والنقطة، بين الواضح والغامض، بين ما ينقال ولا ينقال، وهو مجمع مشاهد للقتل القديم والمُستعاد عند تمثل هيمنة الأسود والأحمرعلى كل الألوان والمواقف والوضعيات (20) في "جسور" و "حصانان أسود وأحمر"، وهو تقليب آخر للرغبة حينما يتسع أفق الحلم بإمكان الحُرية، وبالحُبّ مرادف الأمل:
"كانت تقطّر قطراتِ الحبّ
قطرةً قطرةً في فمي
وهي تحاولُ أن تطفىء عطشي الجنونيّ
ورغباتي الجنونية
كانت تقطّر
وهي تجلسُ نصف عارية
بدثيين عامرين بالنار
وبساقين عامرتين بالسذاجةِ واللذة." (21)
9- ثَمَّة كسْر عميق في تجربة الكتابة الشعرية يقضي التبعيد التراجيدي بين الواقع والمثال، بين الرغبة والاستحالة.
يظل التغالب على أشدة إلى آخر الديوان بين الرغبة والاستحالة، بين الحلم والكارثة بمُتعدد صُورها ووضعياتها. فثمّة كسر عميق يقضي التبعيد التراجيديّ بين الواقع والمثال لتتفوض الرغبة أثناء الفعل الكاتب أو الحالم، وتنأى الحبيبة عن مُريدها كأنْ تبقى معلّقة في الهواء(22)، أو يتعالى الألم "بالمسمار الطويل" الثاقب للقلب"(23)، لتتراءى الحرية/ الحُبّ إمكاناً لا يتحقق داخل الوطن أو خارجه، لأن الحرية بلا وطن، كما أسلفنا، اغتراب، والوطن بلا حُرية سجن فظيع. لذا يستبد الموت بالرؤية/ الرؤيا ويغالب السواد كُلّ الألوان كي يستقدمها إليه ويُحولها إلى أجزاء في ليل بهمته القاسية، ويمضي العمر بالموجود إلى آخر حد، هناك حيث النهاية الباردة لكل الكائنات والأشياء أيضا(24). إن صفة الكينونة لدى الذات الشاعرة في نصوص هذا الديوان هي" الثقل غير المحتمل"(25). فالسفر حتميّ ويكاد، و"الحقائب ثقيلة كالصخر"(26) والوجهة هي "اللا- شيء"، بل الضياع هو البدء والطريق والمرجع معاً وكأننا بنصوص الديوان الأخيرة نشهد صراعاً حاداً بين الاستذكار وكتابة اللحظة (الآن) في" الرندمول" بمدينة أديلايد الأسترالية (28) ولئن لاذ أديب كمال الدين بالمكان من المكان، وبالمهجر من الوطن فقد ظل مهووساً بذاكرة هذا الوطن، كأن استبد به رُعب المصير:
"الشراعُ وسط السفينة
السفينةُ وسط البحر
البحرُ وسط قلبي
قلبي الذي يغرقُ شيئاً فشيئاً
في حلمه الهادئ العنيف..."(29)
فتتوالد الصُور بأسلوب التدوير القائم على تكرار الألفاظ: "السفينة السفينة، البحر البحر، قلبي قلبي"، وباستخدام الدوران على شاكلة لولبيّة، بدءاً بالعلامة الدالة على الخارج (الشراع) ووصولاً إلى عميق الداخل (الحُلم)، بما يقارب بهذه الخُطاطة التي هي مختصر المعنى المتكرر، تقريباً، في مجمل هذا الديوان:

ومابين"الشراع" و"الحلم" توالج بين "الخارج" و"الداخل" ،بدلالة الرمز المشترك والتنصيص على الهدوء العنيف الواصل بين الصفة الغالبة على الفضاء الخارجي المُتخيّل أو الحسّيّ ومجال الداخل حيث مكمن صميم الذات (وعي الكينونة).
10- الانعتاق المُوقت من سجن الوضعية بالكتابة والسفر.
وكأنّ الفرار من المكان إلى المكان في "إلى أين؟" أو الفرار من مُجمل المكانية إلى اللاّ-مكانية، بالانعتاق المُؤقت من سجن الموقع وحدود الوضعية يُحقق حرية استثنائية بارقة، إذْ تنفلت الرغبة من قيودها ليغمرها فيض من فرح، كحال هستيرية تستبد بالكائن المُنفلت من سجنه إلى فضاء مُنفتح على أبعد "الأقاصي":
"السفينةُ وسط البحر
السفينةُ تمضي بجسدينا
أنا وأنت
أنتِ عارية كالرغبة
وأنا الرغبة نفسها، عريها، نارها الخالدة
أقبّلكِ من أقصى الصباح إلى أقصى المساء
أقبّلكِ من أقصى الشفتين إلى أقصى القدمين
أقبّلكِ من أقصى الدمِ إلى أقصى البحر
والبحرُ يمضي بنا عاريين
إلى أين
أصرخُ: يا إلهي، إلى أين؟" (30)
هو التجلّي، إذنْ، بلغة التخاطب الذاتيّ، تلك الحوارية في الداخل التي هي أساس الكينونة تُحول الأنا إلى أنا/أنت عند تعاظم الرغبة والحب مُمثلةً في تكرار فعلية التقبيل الذي لا يتحدد بزمن، أو موقع في الجسد المُتخيل أو بُوجهة ما، ليظل سؤال المكانية قائماً بكثافة في آخر النص الشعري:"إلى أين؟". كذا تتحرر النفس من بعض مكبوتها بمشهد البحر والسفينة والشراع وحضور الأنثى- الرمز وانفتاح الجسد بعظيم الشهوة وعميم التجلّي (العري). إلا أن حلم الرغبة سرعان ما ينقطع في نص "سؤال"، حتى لكأن الذي تراءى للشاعر من رغبة وانعتاق ليس إلاّ بعضاً من حُلم قديم حادث. لذلك تستعيد الاستحالة والمنع والكبت حضورها في عالم أديب كمال الدين الشعري "بإبحار السفينة" وتخلّف الأنا عنها ورميه لها بالحجارة وتوالد الأسئلة الدالة على الغضب والحيرة وانقطاع الأمل. فتستعيد الذات الشاعرة كوابيس الرعب(31)، وبعضاً من مشاهد الولادة الأولى بالشعر المسكون بعشق الحُرية(32)، وظلال الماضي القريب بصُور "القنابل والصواريخ والفراعنة والبرابرة" ورمزية الاحتلال الأمريكي للعراق (33)، وخيالات الطفولة المغدورة داخل الاسم المدفوعة إلى كوابيس الموت المُستعاد:
"توهّم الطفلُ في داخلي
أنه يستطيع
أن يمثّل – مثلكِ – دورَ الوحش
وسريعاً
تركتني وحيداً
في غرفة سوداء بفندق يطلّ على نهرِ العذاب
تركتني أزحفُ إلى جهنم زحفاً
تركتني أتدرّبُ على دورِ الميّت
حتى الموت..."(34)
11- الموت مَرةً أخرى باعتباره يأسا قادراً على أنجاب أمل.
كذا الموت يُضحي بالنسبة للذات الشاعرة آخر إمكان للأمل في حياة لن تكون إلا بالفسخ وإعادة الإنشاء، بانتزاع جذور شجرة هرمة (الحياة الماضية) وغرس نبتة جديدة مَحلها، عند مواجهة الموت ذاته وقبول فتكه بالأنا، تجسيداً لحالٍ من الانطواء تتقصد المبالغة في إعلان مازوشيتها:
"إلهي
أرسلْ إليّ ذئبكَ: الموت
حتى يواجه قلبي الأعزل
ويمزّقه إرباً إرباً
إلهي
أرسله إليّ
لن أطرده
لن أقاومه
لن أهرب منه." (35)
وإذا الانتصار لليأس المثُمر معنى على الأمل الكاذب عند تفضيل الذئب/ الموت على "الملائكة ذات الأجنحة البيض" (36) تعبير عن إمكان للأمل، "كيأس" كيركغارد (37) تقريبا، الحريص على توصيف الفاجعة واختراق طبقاتها السميكة بُغية بلوغ مَعين ما من الأمل، كمن يبحث في أنفاق ظلمة عن بصيص نور قد يتراءى من بعيد، أو كالمتعلق بخشبة متشقِقة في خضم هائل من أمواج متلاطمة. فيصف ديوان "ما قبل الحرف...ما بعد النقطة" بمُجمل نصوصه فاجعة سالفة ويستبق برُؤيا الموت فاجعة قادمة عند انتهاج سبيل "العري" والإنصات إلى الرغبة وخوض تجربة الصراع الداخلي بين وطن بلا حُرية و حرية بلا وطن، كما أسلفنا، والإذعان للحاجة إلى السفر في المكان ولغة الشعر عند تحويل وجهة الكتابة من الاستذكار والرمز الصفيق إلى الكفر الصريح بكل الثوابت التي لا تُنشىء في حياة الشاعر إلاّ مزيداً من القيود.
ولأنّ الحزن حاضر بكثافة في طفولة الاسم، وعلى امتداد مراحل العمر، فهو الثابت الوحيد تقريباً (38)، إذ يُمثل المرآة التي تنظر الذات الشاعرة من خلالها إلى ما حدث ويحدث وما قد يحدث، ومرادفة المرجح المتكرر في جُل نصوص هذا الديوان هو الموت، بمُجمل العلامات المُتمثلة في أفعال القتل الصريحة والرمزية، وكالسواد يستقدم إليه جميع الألوان ليبتلعها ويُحولها إلى أطياف وظلال باهتة.
إنّ الانتصار للموت في "ما قبل الحرف..ما بعد النقطة" تغليب صريح للسلب المُنجب على الإيجاب العقيم، ولسُلطة الحرف على سُلطة السيف (39). لذا فإنّ المقام المتمثل في هذا الديوان يتحدد في الأساس بتجربة المغامرة الوجودية والشعرية، بالسفر وسفر الكتابة، بتقليب القِيم الواحدية وتحويل وجهتها من ثقافة القتل المستعاد إلى الحُرية بفائض الرغبة ومتناقضاتها، وبالمُقامرة عند تفضيل الموت على الحياة بعد إيمان الذات الشاعرة الأصيل بأنّ الموت هو في صميم الحياة، ولامعنى للحياة دون موت(40). وبهذا المنظور يكسب الموت المغامرة الوجودية والكتابية معنى ما رغم استبداد العبث، اللاّمعنى، الخواء، الفاجعة بمُتعدد الوقائع والحقائق والثُبوتات.
12- "ما قبل الحرف...ما بعد النقطة": ما تحقق بالفعل من حُروفية الشعر.
تُفضي تجربة الكتابة المائلة في تجريب اللغة ضمن الدواوين السابقة لأديب كمال الدّين إلى تقليب جديد حادث للتجريب عند تحويل الكتابة الحروفية من دهشة العلامة الخطية والما-وراء الدلالي الماثل فيها إلى استثمار بُعد آخر لها بتوجيه العلامة الحروفية إلى الحدث/ الواقع وشيئية الوجود الفردي والجمعي بمختلف التفاصيل شبه الحسيّة والاستبطانية والرمزية.
وبهذا الاستخدام الحُروفي للكتابة الشعرية السالف والحادث نشهد ميلاد تجربة كتابية مختلفة في الشعر العربي المعاصر مَرّت ببدايات التجريب الأولى وتلبّسها في الأثناء خطر التكرار. إلاّ أنها سُرعان ما أفضت بعديد من متراكماتها وتقلّبات أحوالها في المكان السالف والأمكنة الحادثة إلى إبْدال كبير، كالحُروفية العربية في الرسم تُؤسس لأسلوب كوني مختلف في التعبير. فأثبتَ أديب كمال الدين بمُجمل دواوينه، ووصولاً إلى "ما قبل الحرف..ما بعد النقطة" أنّ الحروفية العربية في الشعر إمكان للتحقُّق أيضاً، رغم الاختلاف الخُصوصي القائم بين علامية الرسم وعلامية الكتابة الشعرية في مستوى جمالية التمثل والأداء. هنا تنكشف، بما لا يدع مجالاً للشك، إضافة أديب كمال الدين لراهن الشعر العربي.
ولعلنا استطعنا، بجهدنا القرائي، أن نُقارب هذا الأسلوب المتفرّد المختلف: الجمالية الحروفية في كتابة النص الشعري، ليظل السؤال مفتوحاً على قراءات أخرى قادمة: كيف يتعالق الحرف العربي المرسوم والمكتوب شعراً ليختلفا بعلامية التشكيل واستعارة الكتابة؟ ما المشترك التخييلي الجمعي والفردي بينهما؟ كيف تستقدم حروفية الشعر إليها حروفية الرسم على غرار استقدام حُروفية الرسم "للشعري" الذي هو أساس الشعر ومختلف الفنون، كُلّ الفنون، دون استثناء؟
الهوامش:
1- أديب كمال الدين، "ما قبل الحرف..ما بعد النقطة": الأردن: أزمنة للنشروالتوزيع، ط1 ،2006.
2- انظرْ دواوين أديب كمال الدين السابقة: "جيم و"نون" و"أخبار المعنى" و"حاء" و"النقطة"!
3- اللاّ-معنى في "دلائليات الشعر"، بمصطلح ميخائيل ريغاتير، مقولة لا تعني نقيض المعنى، كبلاغة الشعر القديمة، بل هو في صميم النص، باعتباره تناصاً، بنية منفتحة على متعدد القراءات والتأويلات.
Michael Riffaterre, " Semiotique de la poesie", Seuil, 1983, p 37.
4-"ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة"، ص9 .
5- انظر، على وجه الخصوص، ديوانيْه: "ممالك ضائعة" و "سيد الوحشتيْن"!
6- ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة"، ص14-15.
7- للسابق، ص14-21.
8-انظر"ضجة في آخر الليل" و"يا بائي وبوابتي" و"اعترافات النقطة" و"قصيدتي المغربية" و"حوارات النقطة" و"صيحات النقطة" و"جسور" و"حقائب سُود" و" بُكاء الحاجب" و"سجود" من الديوان.
9-"ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة" ص23.
10- السابق، ص25.
11- السابق، ص30.
12- السابق، ص36.
13- السابق، ص42.
14- السابق، ص44-45.
15- السابق، ص53.
16- السابق، ص57-58.
17- السابق، ص70.
18- انظر "عرق ودم" من الديوان!
19- "ما قبل الحرف... ما بعد النقطة" ص75-76.
20- لاحظنا الإكثار من استخدام هذين اللونين، وبهما تشير الذات الشاعرة إلى مجمل تاريخ الجريمة أو القتل المستباح مُمثلاً في الدم والحزن المتولد عن حَدَث القتل المتكرر، بدءاً بالأجداد الأوائل ومُروراً بمقتل عليّ والحسين ووصولاً إلى سلسلة الاغتيالات والمذابح والمشانق.
21- "ما قبل الحرف... ما بعد النقطة"، ص92
22- السابق،ص94.
23- السابق،ص95.
24- انظرْ "امرأة بشعر أخضر" و"حقائب سود" من الديوان.
25- نقيض معنى الكينونة الذي هو أساس الشخصية الروائية في "كائن لا تُحتمل خفته" لميلان كونديرا.
26- "ما قبل الحرف..ما بعد النقطة"، ص101.
27- السابق،ص102.
28- حيث يُقيم الشاعر في الراهن. انظرْ الهامش بالصفحة106.
29- "ما قبل الحرف..ما بعد النقطة"،ص107.
30- السابق،ص108.
31- انظر"جسر بعشرات الثقوب" من الديوان!
32- انظر "حمامة" من الديوان!
33- "بحارة بعيون زرقاء"، "ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة"،ص119.
34- السابق،ص121.
35- السابق،ص122.