الحُروفيّ
33 ناقداً يكتبون عن تجربة أديب كمال الدين الشعرية
المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت 2007
إعداد وتقديم
الدكتور مقداد رحيم
ق 3
الفصل الثالث
حاء
المؤسسة العربية للدراسات والنشر – عمان – بيروت 2002
أ . د . عبد العزيز المقالح
د . عدنان الظاهر
د . محمود جابر عباس
حلم الخسارات الجميلة واليأس النبيل
أ. د . عبدالعزيز المقالح
- 1 –
القصيدة الجيدة هي تلك التي تجعلنا نقرأ روح صاحبها من السطور الأولى ونرى العالم الذي استحضره في ذهنه أثناء الكتابة، حتّى ولو كانت – أي القصيدة– خارج السياق المألوف من حيث الشكل والعنوان، وهذا ما تفعله قصيدة الشاعر أديب كمال الدين، في مجموعته
الشعرية «حاء» الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر "بيروت 2002" والتي يذكّرنا عنوانها الفريد ببعض عناوين مجاميعه الشعرية السابقة:«جيم 1989» و«نون 1993» و«النقطة 1999».
إنّ الأعمال الشعرية الجيدة تذكرنا بأن لدى بعض الشعراء مشاريع حالمة لا تخصّ الشعر وحده بل العالم، ومن هؤلاء الشاعر أديب كمال الدين هذا الذي يبدو – عبر قصائده – أبعد ما يكون عن صورة هذا الزمن العربي المتقلب، فهو بقدر ما يثق بقدرة الشعر على تجاوز المأساة الراهنة التي يعانيها الإنسان في كلّ مكان على وجه الأرض، يثق بالإنسان هذا الذي لا يزال يمسك بزمام الحياة على رغم المعوقات المتكررة والمتاهات التي لا يصنعها الآخرون وحدهم في طريقه بل يشارك هو نفسه في صناعتها ويعمل من حيث يدري أو لا يدري على التمكين لها أو على الأقل الاستجابة لردود أفعالها.
في النص الأول من المجموعة وعنوانه «خسارات» يرصد الشاعر خساراته المتلاحقة بروح رياضية إذا جاز التعبير وباستعداد لمواجهة كلّ ما يطرأ على حياته من خسارات بما في ذلك الموت الذي يرى فيه حياة أخرى لا بالمعنى المادي وحسب، وإنما بالمعنى الروحي أيضاً لأنّ الإنسان في المقطع الأول يمتلك القدرة على أن يقوم من موته وأن يجدد حياته حتّى لو كان التجدد سيسلمه إلى مفاجآت غير سارة:
خساراتي لم تعد تُحتَمَل
فأنا أخرجُ من خسارةٍ لأقع في أخرى
فأنا – على سبيل المثال – متُّ
متُّ منذ زمن طويل
وشبعتُ موتاً
وحين قررتُ أن أقوم من موتي
لابساً الأخضر بدل الأسود
وراكباً الغيمة بدل الدراجة الهوائية
صدمتُ بفسادِ الغيمة
وتمزّقِ ثيابها الداخلية (ص5).
إنه الحلم بالتجدد والقيام ثانيةً وثالثةً لا يزال ممكناً على رغم الخسائر المتلاحقة، وهنا موطن ذلك الأمل الغامض الشفاف الذي تتخلل نسيجه لحظات اعتراضية قاسية سرعان ما تتبدد وتكتسب بالايحاء قدرة على إمكان الخروج من الموت ومن النار أيضاً:
خساراتي لم تعد تُحتَمَل
دخلتُ في النار واحترقتُ كما ينبغي
وحين قمتُ من رمادي
وجمعتُ رمادي
وذرّيته في دمي كي لا أموت من جديد
صدمتُ حين عرفت
أنّ مَن ألقاني في النار
أصدقائي الذين أعطيهم نورَ الأخضر
وأحبَّتي الذين منحتهم شمسَ الغيمة
فارتبكتُ لأنني لم أهيئ نفسي لدور الفادي
ولم أكن أتصور أنّ دور يهوذا
سَيُعاد عرضه في كلّ مكانٍ بنجاحٍ ساحق.
إنه الإنسان الفينيق الذي ينهض من رماد معاناته كما يفعل ذلك الطائر الأسطوري الذي لا يعرف الموت ولا يستسلم للاندثار بل يحوِّل انكساراته إلى خسارات جميلة.
- 2 –
عرفنا من النص السابق كيف يثق الشاعر بالإنسان وبقدرته على التجدد وتحدي المعاناة، وفي نص لاحق سيتبين لنا كيف يثق الشاعر بالشعر أو بالأصح يثق بالكلمة ودورها في الحفاظ على توازنه الروحي والنفسي. وفي هذا الصدد يمكن القول إن في جوهر قصيدة أديب كمال الدين هامشاً واسعاً من التفاؤل يكاد القارئ العادي لا يشعر به. فهو، أي الشاعر، لا يسرف مثل الآخرين في سرد مواجع الواقع ومخاوفه وإن اقترب من ذلك الواقع الذي يصعب الفرار من انعكاساته، فإنّ روح الأمل تظل نابضة حيّة ويظل الحلم حاضراً بما يكفي، ليس بالتمسك بالحياة وحسب، وانما للوعي بأهمية تجاور ردود فعل المرحلة الصعبة ودائماً تكون الكلمة الضوء والدليل:
النقطةُ فضّة
والحرفُ ليرةُ ذهبية
فما أسعدني أنا ملك الحروف.
*
النقطةُ بسمة
والحرفُ ضحكة
فما أسعدني أنا ملك القهقهة.
*
النقطةُ بخور
والحرفُ رقصةُ السَحَرة
فما أسعدني أنا ملك الجن
صاحب الجناح الأخضر الكبير. (ملك الحروف ص 16).
هكذا تصير الكلمة بجزئياتها الصغيرة عالماً من القوة والمقاومة، ربما شاب التعبير شيء لا يكاد يدرك من السخرية، الاّ أن ذلك لا يقلل من أهمية الكلمة ولا من دورها الإسنادي للشاعر الذي يعتقد أنه بها يمتلك العالم ويتحكّم في مقدراته، ولولا هذا المستوى من زهو المبدع بما ينتجه من عوالم لغوية لامعة لما كان في الشعر ما يريح الشاعر ويغمره بآلاف من نقط الضوء وحروف التأملات وما يبعث في نفسه القدرة على الاستمرار في الركض وراء اللغة الطائشة الفاتنة وسياقاتها التعبيرية المدهشة:
النقطةُ ندى
والحرفُ دمعة
فما أسعدني أنا العاشق الأعظم.
*
النقطةُ شعر
والحرفُ أغنية
فما أسعدني أنا صاحب الأنامل الذهبية. (ص17)
في العمل الإبداعي الكبير أكثر من مجرى سري يحفره المبدع في وجدان قارئه، وكلّما كان هذا العمل موجزاً أو مكثفاً زاد القارئ به إغراء ودهشة. وهذا شأننا مع تجربة الشاعر أديب كمال الدين، الذي يشارك بفاعلية في تأسيس المنجز الشعري الأحدث والأجد بلغة لا تستعجم، وفي إطار أبعد ما يكون عن الشكلانية المحكومة بالإبهار الخاوي. ودخوله المتفرد إلى عوالم الأبجدية ابتداءً من عنوان المجموعة (حاء) مروراً بالجيم والسين والدال والشين والنونيات، ووقوفاً عند «ارتباك الزاي» ذلك الحرف الذي رفعته النقطة إلى الأعلى وبفضلها استحق التميز عن زميله الراء.
نصوص المجموعة – في أغلبها– شديدة الكثافة، لكنها على رغم هذا التكثيف وربما بفضله تصل سريعاً إلى أغوار النفس وتحقق أثرها المطلوب مجاوزة بذلك كلّ محاولات التشويش بشكله المتوهّم الساخر، ويعبر النص الخاص بالزاي في تجلّياته الفاتنة عن تشابك الراهن بالتاريخي، والحلم بالواقع المعاش:
كانت الزاي واضحةً
وبسيطةً حدّ الارتباك،
ساذجة كخربشاتِ طفل
لكنّ نقطتها تشيرُ إلى فوق
فوق ماذا؟
وجوه دون ملامح
ورؤوس أينعتْ
وحان قطافها اللذيذ (ارتباك الزاي ص 184).
يتحدثون كثيراً عن العفوية في الكتابة الابداعية ويتساءلون عن لحظة انبجاسها ثم لا يتحدثون أو يتساءلون عن وجودها المحقق في هذا النوع من النصوص النابعة من لحظات عفوية غنية بالشعر وبالمعنى.
أديب وكليوباترا
د. عدنان الظاهر
كلما أزداد قراءةً وتعمقاً في كتب أشعار الشاعر "أديب مصطفى كمال الدين" أزداد حذراً من الدنو من عوالمه الشخصية والشعرية على حد سواء. وكلما اقتربت أكثر شعرت أني بعُدت أكثر. إني باختصار أتهيب ولوج عالم هذا الشاعر المتفرد. وضوح شعره لا يفضي إلاّ إلى المزيد من الغموض والإحساس بالهيبة وحتّى بعض الوجل. لذا فلقد انتهيتُ إلى قناعة شبه مطلقة أنه من باب المحال التصدّي لقراءة أو دراسة أحد كتبه كاملاً. بلى، في الوسع دراسة قصيدة واحدة (وربما اثنتين لا أكثر) من هذا الكتاب أو ذاك. دراسة قصيدة واحدة تُغرق الدارس وتشعره بالكفاء أو الاكتفاء إلى حد التخمة التي ما وراءها إلاّ المسغبة وخلاء اليد ونضوب المفردات وهيبتها من المضي في الدخول في عوالم أديب كمال الدين.
خلال قراءتي المتأنية لأشعاره استنتجت (لكي أفهمه كما هو وعلى أقصى درجات علمي واجتهادي) أنَّ الشاعر في أفضل أحواله طفل بين الثانية والرابعة من العمر، وأنه توّاق للحديث عن المرأة، وأنه يحبها ويبجلها ويعبدها. يناجيها ويناغيها بأفضل ما في قاموسه اللغوي من مفردات اللغة العربية. وأنه بعيد كل البعد عن سادية بعض الشعراء ونرجسيتهم وتعاليهم الفارغ على حواء. طبع نادر وشديد الغرابة كما سنرى.
ركّزت جهدي على قصيدة (بانتظار أنْ تهبطَ حبيبتي) من ديوان (حاء). لقد وجدتُ قصيدة جديدة للشاعر فيها مشابهة لهذه القصيدة من حيث الموضوع، المحتوى، وليس التفاصيل ولا وسائل معالجة الموضوع ولا مفرداته ولا الصور إلاّ الأقل من القليل. إنها (قصيدتي المغربية) من ديوان (ما قبلَ الحرف...ما بعدَ النقطة).
ماذا في قصيدة "بانتظار أنْ تهبطَ حبيبتي"؟
إنها معمار هندسي بالغ الروعة، فالشاعر هنا مهندس ومخطط بارع ومسيطر على الفضاءين النفسي - الشعري ثم المكاني الجغرافي. المقطع الأول من القصيدة خالٍ من عنصر الزمن. تلك ظاهرة فيزيائية كنا نقوم بتدريسها لطلبة الكيمياء في كليات العلوم. أعني بعض دوال الذبذبات الموجية لحركة ألكترون ذرة الهايدروجين حول نواتها. واسمها بالإنجليزية هو:
Time- Independent Wave Function، لكنه بناء فضائي محكم يتدرج شاقولياً من أعلى إلى أسفل. من قمة سلّم كائنٍ ما بين غيوم السماء (في الجنة) تقف عليه امرأة شامخةً مستعلية على الشاعر الذي يقف في أسفل هذا السلّم، في جهنم، في أسفل سافلين. الزمن جامد إذ لا من حركة على درجات هذا السلّم. السيدة المتعالية لا تشاء أن تهبط من السماء إلى الأرض حيث ينتظر المسكين طفلاً ليس في يديه من وسائل القتال إلاّ حجر، لكنه حجر بهيج، حجر لا يصلح للقتال والعراك، حجر ربما كريم من الزمرد أو العقيق والمرجان يحمله هدية لمن ارتقت سلالم السماء متكبّرة عليه رافضةً دعوته أن تنزل من عليائها... أن تجرّب المشي على أرض الواقع كسائر الخلق. هي، حواء، في الجنة وهو، آدم، في الجحيم. كيف تجتمع النقائض وعلامَ تجتمع؟ نقائض أديب ليست جدلية. إنها نقائض سكونية، بمعنى إنها لا تلتزم ضرورة أن تتحد وأن تتصارع في مجرى زمن الاتحاد كما تقول قوانين الجدل (الدايالكتيك). جنة في الأعلى معزولة بالمرأة، متصلة بسُلّم لا يؤدي بها إلى رجل منتظر في أسفله. سبل الاتصال متوفرة لكنها ميتة لا حياة فيها. نقرأ ما جاء في هذا المقطع:
رأيتكِ في أعلى السُلَّم واقفةً
على جبينكِ تاج الذهب
وعلى كتفيكِ الثلجيين
طيلسان الفضة الغامضة
كان السُلَّمُ عالياً كالجنة
وعميقاً كجهنم
وأنا في أسفل سافلين
أقفُ كمتمردٍ أعزل إلاّ من حجارة البهجة
كشاعرٍ مجهول الهوية
كفيلسوفٍ أرعن
وكحوذيٍّ كفيف
مُنتظراً
أنْ تفتحي لي بابَ شتائمكِ المليئة بالعِظام
والسياط العرجاء
أو تفتحي بابَ طيلسانكِ
ليخرجَ جسدُكِ الملكيُّ البضّ
فيُلقي القبضَ على أحزاني الكبرى
ووساوسي وجنوني منذُ كلكامش وأنكيدو
منذُ أنكيدو وسرجون
منذُ سرجونَ وديك الجِن
منذُ ديك الجن وتلبّسي بثيابِ الجِن.
في رأس الشاعر/ الطفل مقترحان لحواء الواقفة على الشجرة العالية علو السماء: أن تريحه من الإنتظار دون جدوى وتجعله ييأس تماماً فتطرده من باب جنتها وتكيل له شتائمَ من نوع وعيار خاص غير مألوف. شتائم ملأى بالعظام! علامة القسوة ودلالتها؟ شتائم رخيصة كالعظام التي تُلقى في الشوارع طعاماً للكلاب السائبة في عالمنا المشرقي؟ وإلاّ ما معنى أن تكونَ الشتائمُ مليئة بالعظام؟! تعبير آخر متفرّد لا نلتقيه إلاّ في قصائد أشعار النثر الحديثة أو الأكثر حداثةً. ماذا عن المقترح الثاني في رأس الشاعر/ الطفل الذي يحمل حجراً بهيجاً يلهو به مثل أحجار لعبة النرد (الطاولي) أو هديةً ثمينةً، حجراً كريماً غالي الثمن جاء به ليقدمه للمرأة العاصية المتكبّرة؟ يضعنا الشاعر في جو مخالف لأجواء المقترح الأول سالف الذِكْر. ينتقل من وضع سلبي يائس متشائم: شاعر مجهول الهوية... فيلسوف أرعن... حوذي أعمى.... ينتقل إلى إنسانٍ إيجابي واضح المطالب صريح الرغبات. يطلب ممن أنهكته قبل قليل من الوقت وأضنته.... يطلب منها أن تنفتح عليه، أن تفتح كنوز جسدها... أن تستلقي على سرير أمامه... أن تنبطحَ على قفاها. عند ذاك فقط ينسى الشاعر أحزانه القديمة المتراكمة منذ أقدم العصور. منذ سومر وأكد العراق وديك الجن الحمصي الذي قتل حبيبته غيرةً ثم جبل من رمادها كأساً يتناول فيه خمرته كي ينساها ثم قال فيها:
عهدي به ميْتاً كأحسن نائمِ ....
انتقل الشاعر نقلة مغايرة فانقلب من طفل ينتظر مثل شحاذ في أبواب الموسرين إلى رجل ناضج مكتمل الرجولة والفحولة فكتب من شعر الآيروس ما يكفي للتعبير عن هذه الفحولة وفورة دم الشباب. نقرأ هذا الجزء معاً:
أو تفتحي باب طيلسانك
ليخرجَ جسدُكِ الملكيُّ البضّ
فيُلقي القبضَ على أحزاني الكبرى
ووساوسي وجنوني
منذُ كلكامش وأنكيدو.
لِمَ ينتقل الشاعر من مجرد طفل يهدد بقذف من يحب بحجر غريب، حجر من بهجة لا يؤذي أحداً... ومن مجرد فيلسوف وشاعر وحوذي يائس بائس... لِمَ ينتقلُ من مواقع الدفاع السلبي إلى مواقع الهجوم المناقض: هجوم جنسي صريح لا لَبسَ فيه ولا غموض. يذكّرني هذا الأمر بقصة الثعلب والديك الذي حطّ على شجرة خوفاً من بطش الثعلب. ثم مواظبة هذا الثعلب على البقاء أسفل الشجرة ليلاً ونهاراً يقرأ القصص المسلية محاولاً إغراء وخداع الديك المسكين لكي يترك مكانه الآمن في أعلى الشجرة ملتحقاً بالثعلب كي يستمتع بأقاصيصه الحلوة ومغامراته البريئة في الغاب والبريّة. ما إن صدق الديك وعود وقصص الثعلب وهبط إلى الأرض حتّى افترسه هذا ولم يبقَ منه إلا الريش الذي سرعان ما تطاير في الهواء. يبدو أنَّ المرأة إياها على علم تام بقصة الثعلب والديك... فلم تهبط من قمة سلّمها العالي لتلتقي الشاعر/ الطفل حامل الحجر الكريم يغريها به للنزول. لم تشتمه... لم تخرج الشتائم البذيئة والقاسية قسوة العظام الرميم من شفتيها. لم تبذل جسدها له فعرض لها مقترحاً ثالثاً نتعرّف على فحواه في المقطع الثاني من القصيدة:
الآنَ اتضحتْ الصورةُ تماماً
لقد تلقّفتُ سرّكِ الأعظم
ووقفتُ أرعى ظلّكِ
كمهرّجٍ مبتهجٍ بسخفِ جمهوره
كأعمى مبتهجٍ بشكوى الناس من نارِ الشمس
كليلٍ فقدَ فجرَهُ في حانةٍ داعرة
وكلّ ما أرجوه الآن:
أنْ تهبطي من عليائكِ الزائفة
إلى حضيضي اليومي
لتكشفي الحبَّ على هيئة جمرة
توضعُ على الشفتين
أو بين العينين
ولتكشفي عزلتكِ الباردة
حين ترين أعواني من الجن بالآلاف
ولتتعرفي على أُميّتكِ المطلقة
حين تقفز أمامَ عينيك المذهولتين
حروفي المسحورة ونقاطي الملوّنة بالعنفوان.
إذاً أذهلنا الشاعر/ الطفل المتمرد بقوله في المقطع الأول [[أقف كمتمرد أعزل إلاّ من حجارة البهجة]] فلقد أذهلنا مرةً ثانية في هذا المقطع الثاني حين قال في ختامه [[حروفي المسحورة ونقاطي الملوّنة بالعنفوان]]. كيف تكون النقاط ملونة بالعنفوان؟ تعابير وصور يفاجئنا بها بين الحين والحين شعراء قصائد النثر المترعين بالإلهام والإبداع.
ما الجديد في هذا المقطع وبمَ ينمازُ عن سابقه؟ التحول، أجل التحولات في أعماق النفس وفي رسم المشاهد وتلوّن المواقف والردود والاستجابات تبعاً للتغيرات التي يفرضها الآخر، العالم الخارجي. فعل واحد ثابت (إصرار فتاته على الوقوف في أعلى السلم ورفضها لدعوته بالنزول) تقابله أو تستتبعه جملة مواقف متغيرة متحركة يرسمها ويحركها إصرار وعزم لا ينثنيان. على الشاعر أن يحاول ويحاول ثمَّ يحاول. الأمل بين جنبيه كبير رغم صلافة فتاته وعنجهيتها ورفضها ما قدّم من عروض سخية، عروض لا سابقة لها في دنيا المحبين. لا شتائم في هذا المقطع ولا توحم وشبق إلى جسد الأنثى ذات الطيلسان الفضي. لقد اكتشف سرّها أخيراً فتنازل عن كل ما كان قد قدم من عروض ومشاهد مسرحية إغرائية ومن رغبته حتّى في أنْ يكون الشاعر الحمصي ديك الجن...لا حاجة له برماد الحبيبة التي أحرق ليتخذ منه كأساً يتعاطى به شرابه.... أديب كمال الدين لا يتعاطى تناول الكحوليات. قلتُ تنازل عمّا سبق وأنْ عرض ليكتفي أن يكونَ ظلاً، مجرد ظل يتبع المحبوبة ويكون حيثما وكيفما وأينما تكون، كالعبد، يتبع خطواتها، كمهرّج، كأعمى، كليل، لا يبغي أمراً إلاّ أن تهبط من عليائها المزيّفة لكي تعاني ما يعاني من حرائق الحب، ولكيما تكتشف أنها مجرد امرأة باردة وأميّة تجهل قيمة أشعاره وسحر ما فيها من حروف وما في نقاطها من عنفوان. يدعوها أن تطأ أديم الأرض بنعليها وأن تشارك باقي الناس حيواتهم اليومية الحقيقة لا تلك الزائفة والمعلّقة ما بين السماء والأرض منتفخة بالغباء والعجرفة الفارغة وبريق المعادن. الحياة الحقيقية واحدة... حياتنا على سطح الأرض... أمّنا الهاوية. ها نحن هنا... ومن لا نعجبه فليحلق عالياً بين السماوات.
ختام القصيدة/ المقطع الثالث
ما زال الزمن ثابتاً جامداً. لم يمسسه الشاعر ولم تحركه الأحداث المسلسلة والمرتّبة بعناية. ما زالت المرأة واقفةً في أعلى السلّم. وما زال فتاها الملوّع منتظراً سُدى في أسفله. لا يفصلهما إلاّ سلّم وهمي نخاله سُلّماً حقيقياً معدنياً أو خشبياً. "الديك" لا يثق ولا يصدق حكايا "الثعلب" الرابض أسفل السلّم. لا تستهويه قصصه ولا إغراءاته. تجاه هذا الثبات وموت الزمن يناور الشاعر العاشق مناورة أخرى جديدة. يطلب من المرأة أن [[تختصر المسافة]]. وما المسافة إلاّ هذا السلّم الوهمي المكوّن من ألف درجة.. عفواً.. لا يطلب من "كليوباترا" ... بل يرجوها أن تختصر المسافة فإنها مجرد وهم. كيف تختصر هذه الحواء المسافة؟ قدم لها عاشقها المتيم طريقة أو وصفة سحرية تساعدها في عملية الاختصار. اختصارالمسافة حركة والحركة تجري في الزمن والزمن هو مقياس الحركة. لذا، اخترعَ ميكانيكية {آلية} خاصة لاختصار المسافة خارج جبروت الزمن وأحكامه. كيف؟ إما ببهجة علاها أو بومضة أسفلها! يكرر الشاعر لفظة (أرجوك) مرتين فما أحلاها في كلا الموقعين. "أرجوك".... جمع أديب هنا عالي السلم الافتراضي ونهايته السفلية. جمع أجمل ما في رأس الإنسان: الوجه، وجه المرأة، مع جسدها. الرأس متعجرف صلد يابس مثل خشب السلّم أو حديده. أما الجسد فذلكم شأن آخر. الجسد قابل للاشتعال أو الاتقاد. نقرأ المقطع الثالث ففيه قفزات ومواقف تثير العجب والذهول.
المقطع الثالث:
يا أسطورتي الكبرى
إنَّ مشهدكِ لَمُحزن
فهناك ألف درجة في السُلَّم الذي تقفين في غيمته
وأقفُ في بئرهِ السوداء
فحاولي أن تختصري المسافةَ (أرجوكِ)
ببهجةِ أعلاكِ
وحاولي أن تغتالي المسافةَ (أرجوكِ)
بومضةِ أسفلكِ
وتذكّري وأنتِ تشعلينَ قارّاتِ جسدكِ السبع
ألاّ مرآة تستطيع معرفة لغاتكِ السبع
إلاّ مرآة عريي
ولا معنى يقومُ لحرماني المجنون
إلاّ إذا وضعتِ رأسيَ فوق الرمح
وحملته إلى جهاتِ الشمس الأربع
بعربتكِ السوداء التي تجرّها خيولُ الطُغاة.
(ومضة أسفلكِ)... جسدها يومض بالاشتعال، وجسدها ليس كباقي أجساد النساء. إنه قارات سبع. فإذا ما اتقد هذا الجسد ستتقد معه كافة القارت اليابسة على سطح الكرة الأرضية. حريق كوني هائل. إنها صور لا يخترعها إلاّ إبداع المبدعين من الشعراء الجُدد. كيف ولماذا جمع الشاعر بين المرايا والعري؟ شكل آخر راقٍ من أشكال الآيروس الرفيع المستوى. حينما تتقد فتاته التي عذبته طويلاً وتشتعل فيحترق الكون بالرغبة الجنسية... سوف لا تجد من يطفيء هذه الحريق في جسدها الملتهب بالنار والسعير إلاّ عاشقها الشاعر. ستجده جاهزاً مستعداً (عارياً) يفهم لغات الجنس وحقوق المرآة على الرجل. إنه عارٍ كمرآة. واضح كوضوحها. ناصعٌ صريح يجيد تفسير رموز وإشارت الجسد. يفهم حروف جسد ناضحٍ بالرغبة مشتعل الحواس. جسده مرآة تفهم وتعكس ما تريد المرأة منه. عريُه مزدوج. عُري حقيقي وعُري مجازي. أحسنتَ أديب كمال الدين! ما أعمق أفكارك وما أجمل صياغاتك الكلامية وما أروع صورك الشعرية المبتكرة!
كيف ولماذا جمع الشاعر بين الحرمان ورأس محمولٍ على رمح والعراقيون خاصةً يعرفون مأساة الرأس المحمول على رمح من طفوف كربلاء العراق إلى دمشق (يزيد) عام 60 أو 61 للهجرة؟ هل إنها قفزة وخروج عن السياق العام لأحداث وأجواء القصيدة؟ ظاهرياً نعم، ولكن إذا ما نظرنا في العمق ستزول الدهشة والغرابة. الشاعر يستلهم تراثه العائلي والعراقي والعربي الإسلامي ثم العالمي. إنه يعرف جيداً قصة الرأس والرمح. يمكن على هذا الأساس تفسير هذه الصور، التي تبدو غريبة على النسق العام لمجمل تفصيلات القصيدة... يمكن فهمها وقد ذكر الطغاة كما يلي: تمثل المرأة المتعجرفة المتعالية في نظر الشاعر... تمثل الطغاة والمسرفين والمتجبرين في الأرض ومثالهم يزيد بن معاوية. الحكام المعزولون عن شعوبهم يسكنون عالي الأبراج بينما ترزح شعوبهم في الحضيض (أسفل السُلّم/ أسفل سافلين). كيف السبيل إلى الخلاص من هذا الوضع المأساوي؟ بالثورة على الظالم المستبد والجائر المتحكم في رقاب الناس. بحرقهم بنار ثورة تدمر الكرة الأرضية بقاراتها السبع، شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً (جهات الشمس الأربع). إنه تفسير ضعيف... أعترف!
ختام
ما علاقة الشاعر أديب بملكة مصر الفرعونية "كليوباترا"؟
كلما أعيد قراءة القصيدة "بانتظار أنْ تهبطَ حبيبتي" ثم أُعيد قراءة مقدمة المقطع الأول منها... أرى "كليوباترا" شاخصة أمامي كما وصفها "شكسبير" في مسرحية (أنطونيو وكليوباترا). قال أديب [[رأيتكِ في أعلى السُلَّم واقفةً/ على جبينكِ تاج الذهب/ وعلى كتفيكِ الثلجيين طيلسان الفضة الغامضة...]]. سأنقل بعض ما اقتبسه إشارةً الشاعر الإنجليزي توماس إليوت (المقطع الثاني بعنوان لعبة شطرنج من قصيدته الشهيرة الأرض البوار أو المهجورة) من مسرحية شكسبير آنفة الذكر:
The Chair she sat in, like a burnished throne,
Glowed on the marble, where the glass
Held up by standards wrought with fruited vines
….
Doubled the flames of seven branched candelabra
Reflecting light upon the table as
The glitter of her jewels rose to meet it.
أسوق هذا الكلام لسببين: أولهما أن الشاعر درس اللغة والأدب الانجليزي في جامعة بغداد. وثانيهما أن أديب كمال الدين يقرأ الشاعر توماس إليوت ومعجب ببعض أشعاره.
أديب كمال الدين في مجموعته الشعرية (حاء)
شعرية التعالقات النصية من الحرف إلى الكلمة
د. محمود جابرعباس
وضع الشاعر أديب كمال الدين مع زملائه شعراء السبعينيات في العراق، في نصوصهم وقصائدهم وبياناتهم الشعرية وتجاربهم المتنوعة والمتعددة والمغايرة، القصيدة الجديدة ليست على المستوى الشعري العراقي فحسب بل على مستوى المشهد الشعري العربي على عتبة حداثة شعرية جديدة ومختلفة في البنية والرؤيا والأدوات والتجارب، والتي تعينهم على تلمّس الكيفية البنائية والكتابية والخطية التي يكتب بها النص الشعري الحداثي الذي يتقاطع مع من سبقهم من شعراء الستينات، أو الرواد في البناء والأساليب وخصائص التركيب والصياغات والثيمات، والبحث عن أسرار النصوص وعوالمها المستعصية الخفية التي تسعى إلى تأسيس رؤية شعرية نابعة من التجربة المعيشية لكل شاعر من شعراء هذا العقد الشعري المهيمن، والذين يطمحون إلى تطوير تجاربهم واستمرارها والتي تتحول عندهم إلى مكونات دلالية وتركيبية مدهشة ونشطة في الحداثة الشعرية التي تتجلى على السطوح والأعماق معاً دون التقيد بالنظم الشعرية التقليدية السائدة، أو ما كانت عليه القصيدة الجديدة (قصيدة التفعيلة) من هيمنة وسطوة في الكتابة الشعرية وفي الوسط الأدبي في تلك الحقبة، والبحث الدائمي عن أبنية وأنماط وأصناف شعرية جديدة وقادرة على تأسيس سياقات شعرية وأنساق بنائية جديدة تقيم حداثتها على أساس من التعالقات النصية والملفوظية بين مستويات التعبير والأداء ومستويات الخطاب الشعري واللغوي ومظاهر تعالقاتها التي تبني نموذجها المختلف على أساس الأبنية الدلالية الكلية في بنية النص وتمرر القصيدة في كتابة ذاتها من (تابوهات) القواعد الجمالية والشكلية المتعارف عليها لتشكّل التجربة المعيشة عند كلّ واحد من شعراء السبعينيات في العراق ككل، تمرداً لافتاً على المألوف والعادي والثابت والساكن ولكلّ واحد منهم في تلك المرحلة محاولة طموحة لترتسم خطوات الذات الشعرية المتفردة والخاصة بدقة وأناة والانعطاف ببنية القصيدة باتجاه وحدات نصية وتركيبية جديدة تماماً على مسافة تحقيق الفجوة، بين الدال والمدلول وتوظيف العلاقات النحوية والصرفية والصوتية والإيصالية والتأويلية الجديدة التي تتيح للشاعر تكوين نسيح تعبيري متكامل وفي مجموعات مركبة ومعقدة بحيث نرى في النهاية (بانوراما) شعرية جديدة تماماً تكشف أوضاع النص وتميزه عند كل واحد منهم التي تكون متوازية حيناً ومتقاطعة حيناً آخر ولكنها جميعاً قد تضافرت في إحداث الخلخلة الشعرية والتوتر والقلق والاضطراب في اللغة الشعرية، مما جعلهم مجتمعين يهدفون إلى خلق وإيجاد لغة شعرية جديدة تتيح لهم تسجيل الرؤى وخلق المجهول من خلال تعدد وتنوع واتساع الشفرات التعبيرية التي تغني تجاربهم وقصائدهم ونصوصهم.
إنّ إحدى أهم محفزات خلق الشاعر لعالمه وفنه الخاص به، والذي سيكون بالتأكيد مستقلاً عن تجارب الآخرين، وهو ما أفضى إلى ظهور أصوات شعرية متميزة في شعرية القصيدة الجديدة في العراق، على الرغم من تعدد وتباين واختلاف هذه التجارب فكانت تجارب الشعراء (كمال سبتي وخزعل الماجدي وزاهر الجيزاني وسلام كاظم وأديب كمال الدين وكاظم جهاد وأحمد عبد الحسين وعدنان الصائغ وشاكر لعيبي وخالد جابر يوسف وغيرهم)، والتي تنامت في قصائدهم البساطة في انتقاء الموضوع، والغور في أعماق الواقع والحياة والكائنات المحيطة والإنسان، والبحث عن لغة شعرية ومنتقاة، مكثفة ومقتصرة، والحفر في منطقة شفافة من خراب العالم من حوله التي نراها في تجاربهم بعد أن خسر الشاعر الحياة الأولى وهو ينتقل إلى حياة جديدة، أو من منفى إلى منفى آخر، والبحث عن فردوس مفقود، يقف حزيناً وحده، وصامتاً تجاه الحياة وغربتها وآلامها، ولذلك نقلتنا تجاربهم إلى صورة شعرية ولغة تركيبية هادئة وصادمة في الوقت نفسه، ولا تكاد تتلبس هذه الحياة المتخيلة قناعاً أو اسماً حتي نجدها في قناع أو اسم آخر، لينجو الشاعر وقصيدته من طوفان الأحداث، ومصير الحياة وهشاشة الواقع التي أكدت أن الشعراء السبعينيين كانوا في مواجهة شعرية لم تكن عنايتها منصبة ومنوطة بتوصيل المعنى ذاته، وإنما كانت منصبة على أحداث وصهر هذه المتناقضات في بنية متنافرة وفجوة توتر دلالي واسع يكون جماليات شعر الحداثة وسياق انتظامها النصي والملفوظي.
وكان الشاعر أديب كمال الدين أشدهم جموحاً وتأرقاً في السعي إلى كتابة قصيدة حداثية وجديدة متقنة تكافئ القصيدة الشعرية العربية التي بدأت تظهر بوضوح في لبنان ومصر وسوريا، وأن يكتسب نصه ملامحه المتميزة من تجليات أسلوبه وتنوع تركيباته وخواصه التعبيرية والأدائية التي تضبط درجة الغليان والاختلاف والمغايرة في إحداث التحولات الأسلوبية التي تكون معيار المصداقية الشعرية التي تحفر تجاربه وانشغالاته التي ستتحقق على قاعدة صلبة من الأوضاع التعبيرية والترميزية والقناعية والموروثة والمعاصرة التي اختارها الشاعر لنصوصه، لتكون دليلاً يتمثل في تعزيز ذلك النوع من الرؤية الشعرية الجديدة التي تهدف إلى المغامرات التجريبية والفانتازية التي تخلق الإشكاليات الشعرية والتي تحمل قدراً طاغياً من الإشعاع الشعري الذي يولد في اللغة طاقاتها الكامنة العميقة التي تكون كسراً لمرجعيات شعرية جاهزة ومألوفة وتأسيساً لمرجعيات مبتكرة وجديدة.
هكذا كانت مجموعته الشعرية الأولى (تفاصيل- النجف الأشرف 1976) محاولة جريئة وواعدة يحدث في حينها، باتجاه وعي الشعر وممكناته وكيفياته وسحره بوصف أن الشعر فضلاً عن كونه نداءً داخلياً فإنه تنظيم فني وتعبيري وجمالي حتّى وإن كان ذلك يحصل بعد التدفق الأولي لمكابداته ومجاهداته ومحرقاته التي تواجه الحياة الضاجة الصاخبة بتلويناتها وانكشافاتها وملابساتها وتعقدها وانغلاقاتها، ولكنها ترتكز من جهة أخرى على التفاصيل الصغيرة والهامشية في الحياة اليومية ومعاناتها والتي كانت أقرب إلى معاناة هذه الحياة ونبضها، وتلّونها بقزح التنوع والانفراد والتدفقات العفوية ولكنها الواعية والواثقة باعتبار أن وعي التجربة في بداياتها كانت معبر الشاعر إلى اليقين الشعري في مجموعته الثانية (ديوان عربي - بغداد 1981) الذي يمثل المنحني الشعري الذي يسعي إلى تعميق الرؤية الفنية والجمالية والشعرية التي تؤرخ للتجربة وهيبتها وجمالياتها التي تتدفق بنسمة من الهدوء الواثق، ولكنه المليء بالتشنجات ومشاعر القلق، وهي التوترات التي تظهر في بنية النص، وتمنحه شكلاً عفوياً وبنية واضحة تستمد شعريتها من محرقة النص ولواعجه وإشاراته الخفية والمضمرة التي تندرج في سياق شعري مخصوص ومتفرد عند الشاعر أديب كمال الدين في مجموعته الشعرية الثالثة (جيم -بغداد - 1989) الذي حاول فيه خلق أوضاع تعبيرية وبنيات شكلية وخطية نرى فيها عدداً من الاشتباكات النصية والدلالات المتفاوتة والتحولات الأسلوبية الذي يخلق فيها الشاعر تجربته وقصيدته وبنيته، وهو يستخدم تقنيات شعرية وآليات تناصية تكرس شعرية التطالعات النصية التي نلمس فيها جدلية التجربة من خلال تفكيك اللغة إلى مرجعياتها الأولي ومنظومة العناصر الأولية لها، فإذا كانت الكلمة هي البدء فإنّ الحرف والنقطة هي البدء أيضاً التي تنكشف من خلالهما وعبرهما الدلالات الحافة الموحية التي يتم تفعيل (النقطة والحرف والكلمة) جزءاً جزءاً لتبلغ التجربة عنده ذروة التألق الشعري في مجموعته الشعرية الرابعة (نون -بغداد- 1993) التي يشير فيها إلى استراتيجية التجربة الشعرية التي تمنح هذه النصوص بؤرة ارتكاز تنصب في تحقيق الشعرية واقامة التوازنات الدلالية بين البنية والرؤيا والصياغات التي تجعل التعبير ذروة كل شيء واكثر إيغالاً في تشكيل الرؤية الشعرية التي تتجلي في دواخلها انساق المنظومات الدلالية وجمالياتها في مجموعته الشعرية الخامسة (أخبار المعنى-بغداد- 1996) التي شغلته فيها فكرة التشكيل الحرفي الذي ينقل الثقل الدلالي والترميزي والشعوري إلى المكنونات التعبيرية والجمالية والخطية التي تتعلق بتحقيق أعلى درجات الكيفيات التعبيرية الجديدة التي تتجسد فيها الرؤى، وهذه التجارب التي يبلغ الشاعر فيها ذروة إيصال التعبير الشعري إلى شعريته التي تشجّرت وتعددت في بنياتها المحتشدة في السطوح والأعماق النصية التي تشفّ عن عملية اشتغال وتركيز ومهارة شعرية متميزة ومتفردة، كما في مجموعته الشعرية السادسة (النقطة -بغداد- 1999) و(بيروت –عمّان- 2001) التي استطاع الشاعر من خلالها أن يستكمل بها تخليق الشعرية الحداثية وشحنها بطاقات وآليات وتقنيات تشكيلية وخطية اشتغل الشاعر عليها بمهارة وحذق وحدد منظوراته الشعرية من خلالها لتسهم في تخليق الكتابة الشعرية الجديدة وتنويعاتها الدلالية وشفراتها المستقرة في البنية السطحية والعميقة.توغل قصيدة الشاعر أديب كمال الدين، ونصوصه المختلفة في عالمها التشكيلي والخطي عندما تقارب الحروف وتشكيلاتها حرفاً حرفاً والذي تتيح له استجماع العناصر المشتتة واستحضارها ونسجها في اتساق وتماسك، وتنظيمها في وحدة تعبيرية وأسلوبية شاملة كمظهر بنائي وجمالي مهيمن علي وحدات النصوص وتركيباتها والذي تجسد ذلك في مجموعته الشعرية السابعة الصادرة مؤخراً (حاء -المؤسسة العربية للدراسات والنشر– بيروت- عمّان 2002) الذي اتسم بالشغل على الحروف واستثمار صيغها ومعادلاتها ومرجعياتها التي تعزز شعرية القصيدة لديه والتي استطاع الشاعر محاورتها وإقامة ألوان من التقابلات التشكيلية الداخلية في عملية تناص حاذق وماهر يتجلّى في إقحام عالم الحروف الجواني التي تتخلق فيها سياقات خفية بين الحرف والمعنى، وتتمظهر عنده بالطريقة الملموسة جداً والأكثر قوة وشاعرية وتطبع قصيدته بطاقات تعبيرية فذة تشكل لوحة تشكيلية تمتشج البنية بالرؤيا، والأدوات والحروف والنقاط والأسطر والجمل مضيفاً إلى نصوصه أبعاداً جمالية لها دلالاتها، إذ فيها يتعانق المضمون مع التركيب اللغوي مع الانفعالات النفسية لتنسجم جميعها في وحدة تؤدي أثرها الجمالي والفني والتعبيري الذي أراده المبدع حيث يعتمد الشاعر أديب كمال الدين في نصوصه المختلفة، وفي بناء قصيدته على ما يؤثثه لها من تواتر الوحدات الحرفية التي تشترك في التنسيقات الأساسية والتنويعات الصوتية التي تجعل منها ظاهرة لافتة للنظر في الشعر العربي الحديث يجب الاحتفاء بها، خاصة مع استمرار انشغال الشاعر بتكويناتها وتجانساتها الصورية المكثفة لإيصال فكرة النص التي تشكل البيئة الأساسية التي تستقطب الكلام الذي ترد فيه الحروف وتجذب دلالات الحروف لتدور حولها لأنّ الامتداد الحرفي وغواية الحروف التي استطاع الشاعر استغلال إمكاناتها صوتياً ودلالياً في خلق إيقاع يؤازر الدلالة الكلية للنص، ويحتضن الانفعالات الذاتية التي تشكل مفارقات نصية وملفوظية للأساس المنطقي الذي يكمن تحتها، وإن دلالة الحرف والنقطة هنا تعوض عن دلالات الكلمة والجملة والمقطع عبر التركيز الحرفي الذي يخترق من خلاله صوتية الحرف وبعده الإيقاعي للوصول إلى طريقة كتابية جديدة وخاصة به الوصول إلى خلق عالم رمزي وكون تخييلي وتشكيل مغاير عبر اختراق سكونية اللغة ووظيفتها التقليدية والمعجمية إلى الحد الذي تنتاص فيه خاصيات الحروف لتصل إلى الشعر الصافي، وصنع صوفيته الشعرية التي تستحيل إلى طاقة شعرية متجاوزة للزمان والمكان، وحينئذ يستكمل الشاعر مشهده الحرفي وتوحده الجمالي به من خلال أربعين نصاً شعرياً احتوته المجموعة الشعيرة الجديدة (حاء) التي استطاع فيها الشاعر أن يؤكد حضور وفاعلية التحول الشعري في قصيدته والتي تتضافر فيها التقنيات التعبيرية والتشكيلية في تكوين بنية النص وتوليد دلالاته المشعة وربطها بمنظومة الشاعر البنائية المصاحبة لهذه التجربة وتعد قصيدته (ملك الحروف) من بين قصائده التي أقامت حواراً بين بنية النص التي تدفع الحرفية للكلمة التي تقوم بتركيب النص وتأثيثه على أساس الفاعلية الحرفية التي تدفع بالبنية النصية إلى الانتظام في تشكيل يتصاعد فيه التوتر والاحتدام والانصباب في بؤرة النص المنظمة في مستوياتها التعبيرية والدلالية والرمزية بهيكلية نامية ومتصاعدة ومتماسكة والتي تعطي (للحروف) معني مغايراً ومميزاً يرتبط بالكون التخييلي الذي يتم تسعيره وفعاليته الشعرية وتجلياته الصوفية لترتفع بذلك درجة تعبيرية القصيدة وشعريتها المتميزة بالإشارات المحتشدة، والمتسقة، والفاعلة في سطح النص وعمقه والتي تتسق مع حركات النص وتموجاته وصبّها في البؤرة الكلية المركزية للنص كما في هذه المقاطع:
النقطةُ فضّة
والحرفُ ليرةُ ذهب
فما أسعدني أنا ملك الحروف.
*
النقطةُ بخور
والحرفُ رقصةُ السحرة
فما أسعدني أنا ملك الجن
صاحب الجناح الأخضر الكبير.
*
النقطةُ وحي
والحرفُ تنزيل
فما أسعدني أنا مَن يحملُ إشارةَ العارف
بين عينيه
ويلبسُ عمامةَ الشهيد.
وتقدم قصائده الأخرى (كلمات وجيم شين وكيس الحروف وحاء وجيم سين دال ونونيات جديدة وأمجاد النقطة ورسالة الحروف) تجانساً حقيقياً بين المكونات التشكيلية للنقطة والحروف ومكوناتها التعبيرية والبنائية المنظمة للدلالات الكلية، إذ إن تقنية الحروف قد غطت مساحات النصوص ومخزونها البنائي والروحي والوجداني وتجسداتها الذاتية والموضوعية المنسجمة في تشكيل الحروف والنقطة والكلمة التي يتم توظيفها شعرياً في تحقيق التآزر النصي والانسجام البنائي العميق الناشئ من استثمار واستغلال مستويات المفارقات الحرفية الماثلة في النصوص وشبكاتها المتراكبة التي توافق الأوضاع اللغوية والتركيبية مذاقها الخاص، وامتداداتها الترميزية المباطنة للتجربة الشعرية،والقادرة علي تخليق لون من الشعرية البنائية التي تتحد خواصها التعبيرية مع الأبنية التركيبية للحروف والنقاط التي يوظفها الشاعر كما في هذا المقطع من قصيدته (حاء):
حاءُ الحياةِ حلم ورماد
وتاؤها ألم ونوم ونسيان.
*
هي ذي مدن لا معنى فيها
وأخرى لا شمس فيها
وأخرى لا ماء فيها
وحين نصلُ إلى الشيخوخة
نصلُ إلى مدنٍ لا هواء فيها.
*
عجبَ الحروفيّ من هذه الحاء
فلقد رآها مرّةً راقصةً أسطورية
ومرّةً رآها توابيت عارية
ومرّةً رآها ذهباً وجمراً ودموعاً وسكاكين
فاحتار
قيل له: اخترْ
لهذه الحاء كلمةً واحدة
ولا تزدْ
فقال: حاءُ الحياة..
ومات.
.
وينطلق الشاعر في قصيدته (حوريات الفردوس) من رؤية مأساوية وذات أبعاد واقعية
وتاريخية للكشف عن الأسارير النفسية وتنهدات الذات الذائبة في موانئ النفي والغربة
والاستلاب المؤدي إلى الموت والأحلام التي تستحيل إلى كابوس ودمار وخراب عندما يضرب
الإنسان والشاعر بآلة تدميرية لا يقوى
على مواجهتها سوى
بوهج الحروف المنطلقة من استعادة الزمن الماضي، والقبض على الحياة في الزمن الحاضر
والتي يرغب فيها الإصرار على المضي قدماً في تحقيق رؤيا طامحة إلى الحرية والانعتاق
من هذا الواقع المر الذي يمازجه بخياله وبتناص مع تحفيزات الحروف والنقاط
وتشكيلاتها التي تسعى
إلى تشييد بنيتها الأسلوبية من خلال القص والحكي والسرد الذي هيمن على غالبية
قصائده وينهض بها الديوان برمته، والتي تعني في جوهرها مؤثثات ومكونات داخلية
تدعمها آليات التداعي والتذكر والاستبطان والحوارات المونولوجية المفضية إلى شعرية
البنية النصيّة، وفي خضم هذه الدينامية الشعرية يجري تفصيل القصيدة وهندستها
ومعماريتها والحفر بأناة وصبر في السنن العلامية والإشارية لتركيبية الحرف والنقطة
لاستحثاث المخيلة الشعرية الثرّة التي تفصح عن توترها وتأججها التركيبي والدلالي
والرؤياوي التي برع فيها الشاعر بشكل مدهش وآسر كما في هذا المقطع من قصيدته
(حوريات الفردوس):
وتلمسّتُ قبري دافئاً كإصبع طفل
والتراب منه يسّاقطُ بالعبث
يسّاقطُ بالفرح
أنا الذي بصمتُ حاءَ الفرح
وحاءَ الحريةِ والحنين والحب
أجلسُ قرب قبري
ألعبُ بطيور بيض
أنامُ وأصحو
أدخلُ وأخرج
أبتسمُ وأرتجف
وطيوري تحلّق حول قبري
حروفاً من نور.
وتصل هذه النزعة التركيبية والتشكيلية الحروفية والنقطوية قمتها في ديوان الشاعر أديب كمال الدين (حاء) التي تتجاوز رغبة الشاعر في تأثيث قصيدته بممكنات وكيفيات الحروف واستثماراتها البصرية والخطية، وكيف تستقيم للبنية النصية والملفوظية شعريتها وتوضيبها تخييلياً لا بد له من مهاد نصي وشعري عندما يجتاز عتبة البنية الشكلية لها في إقامة واجتراح نمط متخيلها الشعري استكمال صوغه في صلب التجربة الحداثية الجديدة.
الفصل الرابع: النقطة
صدرت بطبعتين: (الأولى 1999) – بغداد
(الطبعة الثانية 2001) - المؤسسة العربية للدراسات والنشر- عمّان – بيروت
- د . حسن ناظم
- د . عدنان الظاهر
- أ . د عبد الواحد محمد
- صالح زامل حسين
- د . مقداد رحيم
- هادي الربيعي
- فيصل عبد الحسن
- د . إسماعيل نوري الربيعي
- نجاة العدواني
- د . حسين سرمك حسن
- عيسى حسن الياسري
- رياض عبد الواحد
"النقطة"
دراسة في "معاني الحروف"*
د. حسن ناظم
قالت سكينة النور: ما للشعر والحروف؟
قلتُ: حتّى أرسم ملامح وجهي وصيحات قلبي
في كتابٍ جديد.
(أديب كمال الدين، النقطة، ص34)
لماذا النقطة؟ ولماذا الحروف؟ ولماذا هذا الترميز الغاطس في بحر الرموز؟ ولماذا هذه المراوحة بين الرمز والمرموز إليه، بين الرمز مشبعاً بالرمزية تارة والمرموز إليه عارياً منها تارة أخرى؟
تضعنا محاولة تسويغ انتهاج الحروفية منهجاً شعرياً في مجموعة أديب كمال الدين "النقطة"، كما هو الحال في سائر أشعاره الأخرى*، تضعنا في مواجهة خيارات عديدة. لكن إقصاء بعض الخيارات ممكن بحسب المعرفة المتوفرة بالنصوص والشاعر معاً. إذ لا يمكن طبقاً لما سبق النظر إلى طبيعة شعرية "النقطة" كونها ترفاً أو لعباً على الحروف انسياقاً وراء الفوضى الشعرية التي عمّت النصوص الشعرية إبّان الثمانينات. كما لا يكفي القول إن الشاعر بانتهاجه هذا النهج إنما كان يحاول البحث عن الأسلوب الشعري الخاص فقط. فالأسلوب مهما استند إلى مقومات اللغة والتأثر بحياة الأدب عبر التاريخ يبقى وليداً لتلك المعايشة التي يمارسها المؤلف بوعي أو من دونه في تاريخ مجتمعه. والحروفية في نصوص أديب كمال الدين خيار يخضع لمتطلبات كثيرة يقف على رأسها التاريخ والحقبة التي وعاها وحاول التعبير عنها في "المحاولات". فالطبعة الأولى من مجموعة "النقطة" كانت في العام 1999، ولعلها كانت، خلال التسعينيات كلها، تعتمل وتتخلق في إطار عريض من المعاناة التي صبغت الناس والشاعر والنصوص على حدّ سواء. إنّ طاقة الحروف طاقة هائلة، واستيلاد هذه الطاقة وتشكيلها بحاجة إلى احتراف حروفيّ يفقه أسرار هذه المهنة، ويولد منها إشعاعات تنبثق من النصوص لتصبّ في الواقع، وهذا هو محكّها النهائي، وغايتها الفضلى. فبدلاً من بقاء النصوص ملتفة بعضها ببعض، يقوم نجاحها في التفافها بالواقع ومعانقته وكشف دوائره المظلمة.
لعلي أميل إلى القول إن أشعار "النقطة" تخرج عن الأطر الترميزية البحتة التي تبقى حبيسة عمليات التلغيز إلى أطر أرحبَ مجالاً وأجدى: أطر الحياة بما فيها من أسرار ووقائع، وابتهالات وتجديف، وضحك وبكاء، إلخ. أقول هذا وينتابني قلق بصدد صحة ما أقول، فمجموعة "النقطة" حمّالة أوجه، وربما تكون خادعة، وفيها من الانطواء والانفتاح ما يجعل الأحكام تتململ بين إغلاق النصّ على ذاته وانفتاحه على أفق أرحب. ولذلك سينصبّ جزء من تناولي مجموعة "النقطة" على اختبار فاعلية رمزية الحرف في تناول الواقع ومعالجته والتعبير عنه. ونصوص أديب تدّعي الحروفية أسّاً متيناً لبناء رؤية تلمّ شتات تفصيلات الواقع وتضمّه، فقد يصمت الشاعر في لحظات الخطر، لكن الحروف متكلمة أبداً. ومن دون خوف، تفصح الحروف عمّا تريد؛ لأنها دائماً في منأى عن الاتهام. إنها تعين الشاعر على التعبير عن المحظور وتمنعه من العقاب في آن. إنها تستنطق الشاعر من عمق مخاوفه وتنطق هي عبره من عمق غموضها. إنها تجعل الشاعر يعمل قريباً من الخطوط الحمر وعليها، لكنها تعده دائماً بالأمن والأمان فتفي بوعدها: "الكلّ انطوى على نفسه/ كوتر مقطوع" (النقطة، ص93)، "أبي/ ضاقت النافذة/ بنفسها وتحطّمتْ/ ونزل زجاجُ الموتِ إلى الشارع/ فأزلته بلساني الجريح/ يا أبي" (النقطة، ص103).
لا يعني هذا أن أديب كمال الدين جرّد نفسه لمقاومة مألوفية الشعر جنباً إلى جنب مقاومة الظلم. فبعض نصوصه تنجرف إلى ذاتها لتعبدها؛ وبذلك تنأى عن أنبل شيء خُلقت من أجله الرموز. ينجرف نصّ أديب، أحياناً وفي حماسة لا يكاد يوقفها معمار قصيدته الرصين، صوبَ هذيانات لا تضاهيها "شطحات" شاطح. إن نصّه الذي اعتدنا على رزانته يشطح في تعميات لغوية هي، في الحقيقة، استجابة لاشعورية للضغط الهائل الذي تمارسه نصوص جيله على شعريته المنفلتة من إسار التجييل في الآن نفسه:
الزمنُ غبار
واليومُ قش
والساعة رماد
وإذ أمسك الشاعر
بغينِ الغبارِ وقافِ القشِ وراءِ الرماد
تحوّل إلى حرفٍ لا نقطة فيه
لا بهجة ولا نار. (النقطة، ص57-58)
ومع ذلك، كم هو موهم اعتبار تلك "الشطحات" سمة تَجرُد نصّ أديب ضمن سلسلة طويلة من النصوص الشعرية في حقبة السبعينيات بالعراق. والسبب من وراء ذلك هو قلة هذه الشطحات، والعودة الكاسحة لنصوصه نحو أحضان مرتبطة بطريقة أو أخرى بالمحيط بكلّ تجلياته. في نصوص أديب ترزح الحروف تحت سلاسل من المعاني السلبية والإيجابية؛ فهي النصوص كما أنها الذوات، وبين كونها نصوصاً وذواتاً ثمة حلقات في السلاسل المديدة أيضاً. ولكي نصل إلى "معاني الحروف" هذه، لا مناص من تسوية مصاعب جمة تضعها الحروف والنقطة في طريق التأويل.
مع "النقطة" نستشعر محاولات أخرى غير تلك التي بوّب الشاعر نصوصه على وفقها. إنها "محاولات" أخرى ذات مسحة غيبية، وربما تنجيمية، وأديب كمال الدين شخص ذو نفس مشبعة بالطقوس: ذات الشاعر تشهد جملة من التحولات؛ فهي تكتسي سيماء المنجِّم، والصوفي، والعرّاف، والضارع إلى الغيب في شهوده القاسي. وفي لحظات من نصّه وحياته، ينتابنا شعور بالرتابة والوتيرية، فيبدو النصّ من خلالنا ذا تكرار طقسي في بنيته ودلالاته: (ينظر مثلاً "محاولة في دم النقطة" بمقاطعها التسعة)، وهنا نموذج منها:
خرجت النقطةُ من الباب
كانت عسلاً أسود
فتبعها كلّ ذبابِ الزمن. (النقطة، ص17)
وسوف تسير بنية هذه المحاولة على الوتيرة عينها، على هذا النسق التركيبي نفسه، لننظر مثلاً إلى المقطع الآتي:
كانت النقطة نوراً يلفّ كلّ شيء
نوراً خرج لينير سواد طفولتي
فحاول قتله كلُّ ظلام الأرض. (النقطة، ص18)
ثمة "محاولة في الرثاء"، هي محاولة لممارسة التشخيص أيضاً. في هذه المحاولة تظهر الحروف كذوات. لكن الحروف فيها كانت بلا نقاط، وحين تكون الحروف مصطفةً بلا نقاط تكون ملتبسة، وليست هناك ذوات مصطفة وملتبسة إلا إذا مُسخت؛ أي إذا نُزعت عنها ذاتيتها وخصوصيتها لتكون ذواتاً متشابهة وبلا ملامح. وإذا عرفنا أن هذه الذوات الملتبسة، فاقدة الملامح تساق بوحشية إلى ساحة الموت، عرفنا أن الحروف تتمرأى جنوداً، ولنلاحظ ذلك حين يضرع الشاعر إلى حلمه، ويفتقد عطفه:
في الصيحة الأربعين
قلتُ:
أيّها الحلم
يا مَن يظهر ورق اللعب صورته
يميناً ويساراً
يساراً ويميناً
كم افتقدنا عطفك
كم افتقدنا ركوبك الخيل والمساءات
سائلاً عنّا نحن الحروف التي بلا نقاط
والنقاط التي بلا مستقبل
والمستقبل الذي بلا معنى
والمعنى الذي بلا مغزى
والمغزى الذي يقودنا بوحشيةٍ إلى ساحةِ الموت. (النقطة، ص6)
هذا الخطاب الحلمي، في هذا المقطع وفي الصيحة الأربعين، يمارس الاحتجاج عبر الحروف، الاحتجاج على الحرب من خلال الحرف. والطاقة التي يستغلها الشاعر ليست هي طاقة الحرف الذاتية، إذ ليس ثمة معنى للحرف هنا غير ذلك اللعب الذي ينتزع عبره الشاعر من الحرف نقاطه ليبلور صورة انتزاع الآراء والمشاعر من أشخاص مسلوبي الإرادة: الجنود. إن طاقة الحرف هنا تُختلق وتوجَّه مثلما توجَّه طاقة الجندي تماماً، ولا حيلة لكليهما سوى الإذعان.
أما في الباب الأربعين فقد يبدو الأمر مثيراً إلى حدّ أكبر:
في الباب الأربعين
لم يكن الحلم ليأبه لصيحاتي وحشرجتي
كان الحلم هناك ……
ليس مع ملكاته
ليس مع خدمه وحشمه
ليس مع حراسه وعرشه وذهبه
ليس مع من يأتمرون بإشارته
كان الحلم هناك…
مقتولاً
كحرفٍ سقط من فمٍ أخرس
كموعدِ حبٍّ مزقته السكاكين
كنارٍ طيبةٍ بالتْ عليها الكلاب.
هنا يوجد حرف في حلم، وحلم كحرف ساقط من فم أخرس. إنه كالضياع في الحياة تماماً. الحلم هو الحياة المرجوّة التي سقطت كحرف أجوف، وكموعد حبّ تبدّد في زحمة الهموم، أما البول على النار فهو غاية التحقير والاحتقار منذ أولئك القوم الذين "قالوا لأمهمُ بولي على النار". الحرف هنا ضياع وفقدان، وهو مظهر الحياة الذي يصف بؤسها. الحلم هنا حلم يحاكي الواقع بالضبط، ليس هو الحلم الرومانسي الذي ينصّب المرجوَّ ويناشده، إنه الحلم المقنّع بالواقع، والعكس صحيح. أما الحلم الذي يدغدغ الكيان الناعم والناعس فلا يتحقق ولا يجيء إلاّ في "محاولة في السحر"، يجيء بقدرة قادر وسحر ساحر. في تلك المحاولة، يقول الساحر الرابع من الصين: "أنا من يجعل الحلم باب اليقين" (ص11).
الحروف إذن متلوّنة. تبدو أحياناً كقطيع من الذوات المطواعة والمستكينة، لكنها تبدو، في أحايين أخرى، ذواتاً شريرة منافقة، وسخيفة تختلق الأكاذيب والترهات، تبدو عقبات في سبيل الخير. ففي "محاولة في أنا النقطة" (ص14)، تتخذ الحروف صورة الأشرار الذين يشوّهون صفاء النقطة ويشككون في معرفتها التي تتمتع بها بإطلاقية تامة. تبدو لي هذه المحاولة في "أنا النقطة" محاولة في "أنا الشاعر"، النقطة ذات الشاعر بمقابل الحروف كذوات أخرى. إنها محاولة في النرجسية الطاغية التي تنتصب فيها ذات الشاعر ذاتاً تحيط بكلّ شيء، ليس على طريقة: "فيَّ احتوى العالم الأكبر" كما يقول الشاعر (ص15)، بل على طريقة أنا وأنا وأنا ولا شيء غير ذلك:
أنا النقطة
أنا بريق سيف الأصلع البطين
أنا خرافة الثورات وثورات الخرافة
أنا معنى اللامعنى وجدوى اللاجدوى
أنا دم أخذته السماء ولم تعطه الأرض
أنا بقية من لا بقية له
أنا الفرات قتيلاً ودجلة مدججة بالإثم
أنا ألف جريح
ونون فتحت لبَّها لمن هبّ ودبّ. (ص15)
في هذا التعداد المستشري للأنا ثمة التفاف يتجاوز به الشاعر ظلام النرجسية الموبوء إلى أنوار الغيرية. لكن مثل هذا الالتفاف قد يحدث وقد لا يحدث، وقد يعقب هذه الأنوار ظلام النرجسية نفسه:
أنا النقطة
عرفتُ الحقيقة وعجنتها بيدي (ص15)
بل قد ينصّب الشاعر نفسه طاغية على كل شيء مثلما حدث في آخر قصائده التي تتخذ هذا المنحى: "ملك الحروف" (ينظر مجلة المسلة، ع2، السنة3، كانون الثاني 2002، ص34)، أو مثلما أسبغ على نفسه أسماء ملك الكلمات، وسلطان الحروف، وإمبراطور النقاط (ينظر: النقطة، ص38)، لذا كان لا بدّ للأمر من أن يصل إلى جنون العظمة: "حبّكِ قاد شعري/ إلى كنه الحروف والنقاط/ وقادني إلى العظمة/ إلى جنون العظمة" (النقطة، ص97).
إن الذات هنا أو النقطة تمنح كلّ شيء معناه: "أنا معنى اللامعنى وجدوى اللاجدوى"، تختزل التاريخ: "فيّ تجمهر الماضي/ وخرج باتجاه المستقبل في مظاهرة حاشدة"، وتختزل المعرفة واحتواء الحقيقة: "عرفتُ الحقيقة وعجنتها بيدي/ قبل أن يصل الإنسان إلى الكلمة"، أما المعرفة فهي خطيئة هذه الذات: "ما أفدح خطيئتي: خطيئة المعرفة"، وتعلن استقلاليتها عن الملل والنحل بأسرها: "بحثتُ عن اسمي لم أجده مع الهراطقة/ ولا مع الزنادقة ولا العبادلة/ ولا مع الرهبان ولا الكرادلة/ ولا مع المهزومين ولا المنتصرين/ ولا مع المتمترسين ولا المهاجرين/ ولا مع الطالبين ولا اللصوص"، وأخيراً تبدو النقطة (ذات الشاعر) تصطنع التقابل بينها وبين الحروف (الذوات الأخرى)، النقطة الخيّرة بمقابل الحروف الشريرة:
أنا النقطة
أنا مَنْ يهجوكم جميعاً
أيتها الحروف الميتة
سأهجو نفاقكم وسخفكم
سأهجو أكاذيبكم وترّهاتكم (ص16)
إذن، النقطة مانحة المعنى والحياة، والحروف ميتة، والشاعر مانح المعنى للحروف الميتة التي قد تعيق نموّ معارفه بموتها. والحروف في ميتتها تُستذكَر صفاتها السيئة. وفي تقلبها بين هذه الصفات السيئة وصفات أخرى تواصل مجموعة "النقطة" شحن النقطة والحروف بمعانٍ أخرى. فالنقطة هي: عسل أسود، وجوهرة، وحلم، وطفلة/ امرأة، ونور، وخرافة، وهزأة، ومهرّج، وسيرك عظيم، وهي كريمة، تمسك بيد الشمس والحلم، وهي دم الجمال والمراهقة واللذة والسكاكين والدموع والخرافة والطائر المذبوح، والنقطة دم الشاعر (ينظر: "محاولة في دم النقطة"، ص17). أما الحروف فتحاول أحياناً أن تكون حروفاً فقط. الحروف مؤنسة، تتشكل أمام ناظري الشاعر في صمته ووحشته. الحروف تحاكي الموسيقى أيضاً: "الموسيقى تهبط بلاماتٍ عذبة كشفاه الأطفال/ وراءات تزقزق وسينات توسوس/ وندى من نونات" (محاولة في الموسيقى، ص27). والحروف تعانق معاني الحزن والحرية في تحولاتهما: "الموسيقى تتألق فتتحوّل الأحزان إلى حاء/ وتحوّل الحاء إلى حرية" (ص29). والحروف هي القصيدة التي تثقل كاهل الشاعر بمعاودتها زيارته كلّ حين:
حتّى الحروف صارت تتعبني
فهي الوحيدة التي تزورني في وحشتي الكبرى
دون أن تحمل في يدها باقة شمس
أو حفنة قمر
أو قبلات ريش. (النقطة، ص26-27)
الحروف هنا نصّ يبدّد الوحشة، لكنه نصّ ثقيل في الآن نفسه، إنه نصّ غائم بلا شمس أو قمر أو مواساة. هذا النصّ الحروفي هو حمّى الشاعر في وحشته، وهو ما يمكن أن يُنسَج من تلافيف قلب الشاعر الممتلئ بالأبجديات: "ومنذ أن تعرفتُ إلى قلبي/ وجدتُه ممتلئاً بالأبجديات" (ص28)، الشاعر الممتلئ بالأبجديات له نقاطه وحروفه التي لا يفرح إلا بها وبنفسه: "أما أنا فكالموسيقى/ لا أفرح إلاّ بنفسي/ ولا أندمج إلاّ بنقاطي وحروفي" (ص29). الحروف أدوات للتعبير، إنها تفصح عن وجه الشاعر وعن آلامه:
"قالت سكينة النور: ما للشعر والحروف؟
قلتُ: حتّى أرسم ملامح وجهي وصيحات قلبي
في كتابٍ جديد" (النقطة، ص34).
إن قراءة شعر أديب كمال الدين عبر مجموعته "النقطة" تشبه إلى حدّ كبير ما قاله في إحدى "محاولاته":
في سُلّم الحظ
كلما صعدتُ درجةً هوتْ تحت ناظري
وبدا السُلّمُ عميقاً حدّ اللعنة. (النقطة، ص109)
إنها تشبه "سُلّم الحظ" تماماً، فنحن كلما ظننا بأننا نشرف عليها، ونحيط بتفصيلات كافية لتقديم معرفة بصددها، بدت لنا أكثر عمقاً، وأكثر سَعَةً، وأكثر تناقضاً أيضاً، ولاحت لنا خبرة تلك السنوات الطويلة التي تختفي خلف هذه "المحاولات"، سنوات الكتابة، والتأمل، وممارسة الحياة.
ينتمي الشاعر أديب كمال الدين، بموجب فكرة ذات صيت سيئ، إلى جيل شعراء السبعينات بالعراق، لكن مجموعته "النقطة" لا تنتمي، قطعاً، إلى الهموم والأساليب والأفكار التي لفّتْ هذا الجيل وتلك الحقبة. إن الحرف هو ما يختزل تجربة أديب الشعرية، ونصوصه تحاول أن تستبطن "معاني الحروف"، فضلاً عن كونها تستدعي تداولاً مختلفاً ليس هو التداول العصيّ الذي نعانيه في نصوص مجايليه. ومع ذلك، يبقى ثمة سؤال مهم: كيف يمكن أن نقرأ "النقطة" وهي تخطّ عالماً حروفياً ملتبساً وذا خصوصية شعورية تندّ عن الوصف؟ ثمّ إن للحرف دلالات متعددة هي الأخرى تتسع لتشمل عوالم غامضة تتقلب بين الناحية الرمزية والصوفية وحتّى الشكلية، وأخيراً قد يكون اللجوء إلى الحروف إنما هو خيار لتلغيز الوجدان والفكر لتبدو بعد ذلك الحروفية كتوجّه شعري يؤمّن هرباً من بطش الحياة. وفي هذه الناحية الأخيرة بالضبط توضع تجربة أديب كمال الدين على المحكّ، لأنه إذا ما كان خيار الحروفية خياراً تلغيزياً حسب فإنه سيتماهى مع التهويم الموجع الذي عززه جيل السبعينات في الشعر العراقي، وإنْ تكن لأديب أساليبه الخاصة في هذا التلغيز.
قد يُشَمّ، في بعض الأحيان، أن انصياعاً قسرياً يجرّ الشاعر إلى تلك الطرق التي ألِفها شعراء جيله: الطرق التي يسكنها الضباب الكثيف، الطرق الوعرة بفعل وحشتها، الطرق التي لا تؤدي إلى شيء، وهي لم تؤدِّ إلى شيء فعلاً.
يتيح اتخاذُ الحرف بنيةً تعبيريةً الانفرادَ بتمثيل رمزي قلما حاول الشعراء إشباعه، فهذا الميدان ربما أشبعه الرسامون بلوحاتهم، لكنه ظلّ مهجوراً من طرف الشعراء. والحرف بوصفه رمزاً يستثير الإنسان خالق الرموز، ويمكن أن يمثّل رافداً للوعي الإنساني يجعله يبحث عن طرق جديدة لربط عالم الحسّ بمعانٍ جديدة أيضاً. لكن خطورة مثل هذا المسلك، في أثناء ممارسة الترميز، تكمن في الإمكانية الكبيرة لتحوّل التمثيلات الرمزية إلى عوالم مغلقة، أي أن الرموز المتولدة عن استعمال الحرف بنية تعبيرية قد تفصل الواقع المعيش عن تجربة التمثيل الرمزي؛ وبذلك تعلو الرموز على الواقع، وتنفصل عن ما يجب إدراجه فيها. إنها إذن لعبة خطرة: فإلى أيّ مدى نجح أديب كمال الدين في استثمار الحرف بنية تعبيرية لترشيح رموز تبقى، رغم تجريديتها، تعانق العالم المرئي؟ ذلكم هو مدخلي لقراءة "النقطة"، وأرى أن مثل هذا المدخل يوفّر إمكانية بقاء النقد أيضاً معانقاً للواقع: واقع الشعر وواقع ما يعبّر عنه.
تبدو الإجابة عن هذا السؤال، لأول وهلة، واضحة. إذ لا صلة بين الواقع والتمثيل الرمزي الذي يتخذ من الحرف أداة. وربما تتسع دائرة الإجابة لتشمل كلّ تجربة داخلية (دينية، صوفية)، فمثل هذه التجارب لا يمكنها التعامل مع معطيات حسية عيانية، ونحن أيضاً لا يمكن أن نفكّر في تعبيريتها على نحو حرفي. لنفترض أن أديب كمال الدين حريص على أن يطلّ من داخله (المستغرق في نزعة صوفية) على الحياة (حياتنا جميعاً) التي توقظ المنتشي بأوهامه، وتهزّ رخيّ البال. مع هذا الافتراض، هل يمكن القول إن التجربة الحروفية في "النقطة" قادرة على التغلغل في أعماق الروح وسطح الواقع في آن؟
وفي الحقيقة، فإن أديب كمال الدين يضحّي بالواقع من أجل تجربته الداخلية، أولاً لأنه لا سبيل بالمطلق للتعبير عن التجارب الدينية والصوفية ـ ولأديب تجربته في هذا المضمارـ سوى الاتكاء على الرموز، ثانياً لأن الواقع بالنسبة لذوي التوجّه الصوفي لا يمثل الحقيقة إطلاقاً، ومن ثمّ يجب صبّ الجهود بأسرها من أجل التعبير عن العالم الجواني. ولأن العالم الروحي عالم يندّ عن الإدراك عقلياً، فإن اللجوء إلى الترميز إنما هو الحلّ الوحيد لتسويغ وجود العالم الروحي وجدانياً، وطغيانه شعورياً.
هكذا تكون "النقطة" في وضع تحدٍّ لا يدع مجالاً لإهمال شيء من أجل تعزيز شيء آخر. فأما أن تؤثر عالمك الخاص أو أن تندرج ضمن عوالم متنوعة، وأية صيغة توفيقية بين الاثنين ستتحمل، من دون شك، خطر إمكانية تشويه الاثنين. إن أيّ تجريد ينفصل عن أية ظاهرة خارجية. ومحاولة الاقتراب من الواقع تجريدياً إنما هو عبث لا طائل من ورائه. والتجريد الفعلي، كما في حركات الفنّ التشكيلي، لم يكن من مقاصده تناول الواقع. والحروفية، في جانبها التشكيلي، تتبع هذا الخط باستثناء أنها تعلقت بشي فجّر خصوصيتها: الحرف. ويمكن نقل هذه الحجة إلى منطقة الشعر، فالتجريد في شعر "النقطة" إنما هو وضع قائم ولا مراء فيه، ولا انفكاك لتوجّه أديب كمال الدين عنه. ومع ذلك فهو يحاول ـ تحت ضغط اللحظة وعنفها والمسؤولية التي تلقيها على عاتق كلّ ذي عاتق ـ أن يطوّع التجريد للتنويه، مجرد التنويه، للواقع. ومن هنا يحيا شعر "النقطة" صراعاً بين أصول التجريد المحلِّق والضرورة التي تطأطئ العنق صوب الأرض، أو بين صياغة الحكمة والتعبير عن الواقع:
في ظهيرة تموزية
جلستُ تحت سنّ الشمس
فطحنني الحرُّ حتّى ابتلّتْ ثيابي
(…)
أنا المحروم حدّ اللعنة
وعذّبني الجوع
والرغيف هنا مغموس بالدم
وأثقلني الفراتُ بالندم ……… (النقطة، ص10)
هي ذي فسحة تطلّ بها الذات على الواقع، واقعها الذي يصار إلى تعميمه عبر حكاية تكتسي طابع الخرافة، حكاية السحرة الذين يحاول أن يلوذ بهم كلّ محبط عسى أن ينتشله أحدهم من جحيم الحياة إلى مسراتها، هي "محاولة في السحر"، تمرّر الألم بين ظلال السحرة وبهلوانياتهم. أما "محاولة في الانتظار" فتغادر حقاً اللهث وراء النقاط والحروف لتعبر أصدق تعبير عن الحياة، ودعماً لقولنا إن نصوص الحروف تتجاوز أحياناً عالمها المشبع بالباطن، وإن أديب كمال الدين يراوح في النقطة بين إطلالتين: على الخارج والداخل بالتناوب أو في آن، ربما يكون من المناسب أن نختتم هذه المحاولة أيضاً بالتحديق في مقطع محاولته في الانتظار:
مَن ينتظر مَن؟