الحُروفيّ

 

33 ناقداً يكتبون عن تجربة أديب كمال الدين الشعرية

 

 

 المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت 2007

 

إعداد وتقديم

 الدكتور مقداد رحيم

 

 ق 4

 

 

الفصل الخامس: أخبار المعنى

 

 

دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد 1996

 

 

 

واثق الدايني

ريسان الخزعلي

د . محمد صابرعبيد

معين جعفر محمد

د . مصطفى الكيلاني

 

 

 

 

 

فلسفة (المعنى) بين النظم والتنظير

دراسة في مجموعة (أخبار المعنى) لأديب كمال الدين

 

واثق الدايني

 

 

 

 لن يتعامل هذا البحث مع هذا النظم المنتقى بمنظور نقدي أدبي - شعري (جمالي) أو (بنيوي) أو (بلاغي) على نحو محدود فحسب بل سيسعى إلى معالجته بمنظور (شكل) المعنى ومعنى المعنى ومدلول اللامعنى أساساً عبر إطار نظري تاريخي (عربي – انكليزي) وتحليل متعدد الأنواع على منهجي الاستقراء والاستدلال الفلسفيين مع الاستعانة بشيء من الرياضيات البيانية لنؤكد بعض المدلولات أو الاستنتاجات ومن ثم التوصل إلى حالة استنباط نراها صحيحة وعلى شكل فرضية مقبولة نظرياً، بل تعطينا، وقد فعلت، أحكاماً لامجال إلى نقضها بحدود فضائها ولا تسمح بإغفال أهميتها في العلاقة بين النظم الحديث، المبحوث  هنا، والتنظير الموثق بصدد (المعنى) و( معنى المعنى) ومدلول (اللامعنى) على وجهي  الاستعمال الوظيفي في اللغة الانكليزية: ( non-meaning + meaningless ) في سبيل إثبات فرضية البحث القائم على وجود توجه جديد في استعمال لفظة (المعنى) و(معنى المعنى) غير مسبوق أو مكرور ويمكن توصيفه بصيغة جديدة ربما على شكل "أبعاد" مستوياتية.

المكونات العامة في ديوان "أخبار المعنى"

تسعة وثلاثون نظماً موزعة على إحدى وثمانين صفحة متوسطة، كل نظم يحمل عنواناً تدخل في كلمة (المعنى) من دون أي استثناء، أمام متن كل نظم (النص). فقد يخلو من كلمة (المعنى) وقد يتضمن عدداً يبدو (كبيراً) نسبة إلى حجم النظم نفسه وما من معيار لتحديد (الكم) المستعمل من هذه اللفظة على صيغة مفردة أو بصيغة الجمع أو بتركيب (معنى المعنى) أو على هيئة النفي (اللامعنى) سوى السياق الشعري واختيار الشاعر أو إحساسه بالضرورة أو الحاجة إلى اللجوء إلى أي منها، حتّى وصل الرقم الاحصائي (في حالتي الاثبات والنفي)  إلى 75 استعمالاً منها 61 استعمالاً مثبتاً و 14 استعمالاً منفياً.

من النظم الذي خلا متنه من كلمة المعنى نقرأ:

 (أ) صورة المعنى

سقطَ الساحرُ في كأسي..

فبكيتُ على نفسي.  ص 56

(ب) مخاطبة المعنى

من أنت؟

وعلامَ أخاطبكَ، اللحظة، مجنوناً؟  ص 56

(ج) طيران المعنى

 وأصيّرُ جوعي حرفاً ورمادي حرفاً..

وأنيني حرفاً..

أركبها وأطيرُ إلى الموت.  ص 56

(د) إله المعنى

دع لي الباءَ ولا تأخذْها

فلعلّي ألقى نقطتها

ذات صباح أو ذات مساء

فأقومُ من القبر إلهاً

أبعث في جسدي الروح!   ص 56 

أما النظم الذي يحمل متنه أكثر من استعمال (للمعنى) فنقرأ:

* بيت المعنى

 - (للمعنى) بيت خَرِب.

- (للمعنى) باب أدخله، بهـدوء أسطوريّ، أخرجُ من

  بين ثيابي سكيناً غامضةً وأفتشُُ عن لحمِ عذابي وأقطّعه

 بحروفي المرّة وسط هدوءٍ أعمى، لأدندن في كأسي: للمعنى

  بيت، سكين، لحم ألـِق. (للمعنى) قمر، موت .(للمعنى)

 أعداء شرسون، و(للمعنى) ربّ وملائكة ونجوم. ص 68

 وقد يتضمن النظم صيغاً بين الصيغتين السابقتين.

* صورة المعنى

سقط الساحرُ في كأسي

فبكيتُ على نفسي

لا تتيح فرصة للفصل بين (الشكل) في (صورة المعنى) نصاً وبين مدلول (البيت) المرتبط به أو التابع له أو أن البحث في معنى  (المعنى) ضمن عبارة (صورة المعنى) لا يمكن فصله في الواقع عن (شكل) البيت اللاحق بها. وإذا اختلف التفسير بين الفرد (س) والفرد (ص) فإن سمة (التأويل) تحضر فوراً بمعنى منح الشكل تفسيراً (مختلفاً) إذ إن منح الشكل تفسيراً (واحداً) (سيف = مهند) لايعني إلاّ ترسيخ المعنى بعبارة أخرى وإن (السيف = سلاح حرب ورمز شجاعة وكناية فروسية) يصير تفسيراً على نهج الإيضاح Explanation  أما أن نمنح (المعنى) (معنى) غير متفق عليه تفسيراً، فإنه يصير بالتأكيد تأويلاً (يحق) بموجبه لكل قارئ (فرض) ما يشاء على مدركاته بمدركاته هو نفسه فيمتنع بها ويدافع عنها إذ يصير أوتوقراطياً في الأوتوقراطية (Autocracy = المستبد أو الذاتي الحكم)، وإذا ما قارن حكم التفسيري هنا بما يذهب إليه (الآخرون) ليكونوا معاً مجموعة (آراء) ازاء معنى (المعنى) في هذا النظم فإنه –القارئ– يصير ألوكراطياًAllocracy  (أي يحكمه الآخرون)، إلاّ أن القارئ – الناقد قد يعتمد على المعرفة المتحصلة قبل التجربة، أي قبل التقائه هذا النظم لأول مرة فيعيد خزينه عن  (معنى المعنى) ليوظفه في فهم هذا النص، فهو إذن قبلي Apriority  ويتبع القبيلة smِApriori ولا يسمح لتغيير حكمه الذي اقتنع به. أما إذا لجأ إلى الآخرين ليكونوا فريقاً جماعياً ألوكراطياً فإنّ فرصة التغيير في الأحكام ستبدو متوفرة تماماً. أي إن التوجه الألوقراطي يعتمد على الخبرة المتحصلة بعد التجربة وانه قابل للتغيير والتعديل مادام القرار الجماعي لم يتحقق بعد وانه في صيرورة معينة لتحقيق (معنى المعنى) في نظم البيت والقصيدة معاً!

الغموض الدلالي في الديوان

عندما نقرأ بيتا من مثل ما في قصيدة (أخطاء المعنى):

((كنتُ أوزّعُ خطأً مضغوطَ الشفتين ومرتجفَ المعنى)) ص 10 الديوان.. فإننا نصطدم بالغموض لا محالة، بل إننا قد نقع تحت تأثير الجملة القواعدية الخالية من المعنى! إلاّ أن الحقيقة هنا هي أن الجملة قواعدية وموزونة شعراً إلاّ أن مدلولها العام ومضمونها الخاص ليس في متناول اليدين (فوراً) وهما في الوقت نفسه ليسا متماثلين عند كل من يقرأ هذا البيت وما على نسجه، بل هما ليسا متماثلين عند القارئ الواحد في وقتين مختلفين حتّى لو كان ناقداً أكاديمياً أو ناقداً جماهيرياً! وإن نحن (حاولنا) وضع تفسير لهذا البيت اتجهنا إلى الأوتوقراطية طوعاً لا كرهاً، سواء استعنا بالقبلية أم بالبعدية، إذ أن اختيار الكلمات هنا، وفي غير هذا البيت أيضاً، يجاوز حالة الاقتران أوالتلازم collocation في اللغة العربية بين الألفاظ (أنف مستدق وعيون حوراء وليس: أنف أحور وعيون مستدقة) وبتجاوز شرطية التلازم التقليدية، يدخل النظم فضاء (البلاغة) الفسيح، ثنائي التركيب في بعض الأحيان، أي إنه يجمع سمتين بلاغتين في وقت واحد كجمع التشخيص personification - إلى الاستعارة أو الكناية metaphor and metonymy في تعبير: (أوزّع خطأ) في صدر البيت إلا أن المعنى يبقى عصياً على المستمع أو القارئ إذا أرادا (الأصل) الذي يريده الشاعر نفسه. أما المعنى الذي يريده القارئ فلقد يقدره كما يشاء فيلتقي مع الشاعر (احتمال ضئيل) أو يفترق عنه (احتمال كبير) و((بجمع)) تأويلات (القراء) نحصل على مجموعة سلّمية من الموضوعات التفسيرية: اجتماعية وسياسية، قبل غيرها، في مثالنا هذا. وإذا انتقلنا إلى جملة الوصف اللاحقة بالموصوف (خطأ) وهي: (مضغوط الشفتنين) أضفنا حالة جديدة من مظاهر البلاغة ونمطاً جديداً من التأويل وهكذا مع جملة الوصف الثانية: (ومرتجف المعنى) التي تضيف الغموض الأكثر صعوبة باحتضانها كلمة (المعنى) محور (البيت) هنا ومحور بحثنا هذا كله! إذ بعودة (المعنى) إلى (الخطأ) تتضاعف درجة الغموض تماماً ومن ثم تتضاعف نسبه التأويلات حتما. ولكن ماهو الغموض على حقيقته المعرفية والمنهجية معا؟!

  للاجابة على هذا السؤال نرجع إلى محتوى   Ambiguity نفسه في معجم  Oxford فنراه :Double meaning expression capable of more than meaning )) ))

 وترجمته: (معنى مزدوج، تعبير له القدرة على إعطاء معنى واحد أو أكثر).

    إذن الغموض، أو اللبس كما هو متداول بعض الأحيان، ليس نقيض الوضوح فحسب، بل هو حالة بلاغية شاملة تضم بين طياتها مظاهر بلاغية معروفة من بينها التورية pun  إذ هي معنيان قريب ظاهر وبعيد مستتر. وفي المعاجم المتخصصة نقرأ: احتمال امتلاك اللفظ أو العبارة لأكثر من معنى. وقد يكون اللبس نتيجة للتعقيد اللفظي كقول المتنبي:

أنّى يكون أبا البرية آدم                    وأبوك والثقلان أنتَ محمد

وفي النقد الأدبي الانكليزي الحديث اعتبر اللبس سمة لا مفر منها بل جوهرية في الكلام. وأتى الناقد الانكليزي الحديث أي أي ريشاردز Richards في كتابه (فلسفة البلاغة) بنظرية في الدلالة اللفظية مبنية على هذا الاعتقاد. ولعل أهم كتاب في تطبيق اللبس أو ازدواج الدلالة على نظريات النقد الأدبي هو كتاب الناقد الانكليزي ويليام إمبسون المسمى: (سبعة أنواع من ازدواج الدلالة) Seven Types of Ambiguity  ويقصد المؤلف باللبس أو ازدواج الدلالة على حد قوله ((أي أثر يتركه الكلام قد يضيف معنى أو ظلاً لمعنى يستخلص مباشرة من صريح العبارة)) فيقترح إذن أبواباً سبعة لأنواع اللبس الممكنة في الكلام، ولو انه يعترف في الوقت نفسه باحتمال تداخل كل نوع مع الأنواع الأخرى:

1- قد تكون الكلمة أو التركيب اللفظي ذا أثر فعال في اتجاهات مختلفة في آن واحد.

2 – قد تتألف دلالة النص من دلالتين أو أكثر.

3 – وفي التورية توجد دلالتان في آن واحد.

4 – إن المعاني المختلفة للكلام قد تتحد لا لتزيد معنى جديداً بل لتكشف عن الحالة المعقدة لعقل الكاتب.

5 - قد يستقيم المجاز أو الصورة البلاغية في مكان ذهني يقع في منتصف الطريق بين فكرتين.

6 – قد يضطر القارئ إلى ابتداع تأويلات شخصية كما في الكلام جراء تناقض أو تضاد ظاهري.

7 _ قد يكون للكلام معنيان متناقضان فعلا، فيكشفان عن انفصام جوهري في ذهن المؤلف.

- وقد طبقت هذه النظرية على الأعمال الأدبية في كثير من الكتابات النقدية الحديثة.

- إذا استبدلنا كلمه كاتب في النوع (4) وكلمة المؤلف في النوع (7) بكلمة (شاعر) صح تطبيق هذه الأنواع على النظم الشعري تماماً ويخاصة النظم الحديث على أي نوع كان من أنوع الشعر ( الشعر المرسل blank verse) أو (الشعرالحرfree verse ) أو ( النثر الشعري poetry prose) أو قصيدة النثر أو غير ذلك ما نجده فعلاً في ديوان شاعرنا (أخبار المعنى) أو في غيره من دواوين الشعر الحديث.

الغموض النحوي (في الديوان):

 في شعر أديب كمال الدين غموض نحوي محدود ومثلهُ قوله في منظومة (أخطاء المعنى):

(أ) ((كانت أرضُ الله تغرّد فيك

وأنا أعتذر اليوم إليك: إلى

خطأ في اللهجةِ من خطأ في المعنى..

خطأ في البهجةِ أو خطأ في الدمعة

خطأ في خطأ في خطأ الرأس...)) (ص 12)

إذ بين تذكير أو تأنيث (فيك) و(إليك) جواز مباح إلاّ أن تمثل (إليك) (معنى) (إلى خطأ في اللهجة) أو انفصاله عنه مسألة متعلقة بنية الشاعر نفسه، بعدها تأتي (خطأ في خطأ في خطأ الرأس) لتجعل الغموض النحوي عاملاً قوياً في غموض المعنى لأنّ الجملة لم تسبقها (من) كما في جملة (من خطأ في المعنى) ولم تسبقها (أو) كما في جملة (أو خطأ في الدمعة) وبذلك صارت على محملي (الاستقلال في المعنى) (أو) عطفاً على كل ماقبلها وكلاهما صحيح وجميل. نقرأ المثال الثاني، من غير استزادة ، في منظومة (نسيان المعنى):

(ب) ((وبقيتِ أمامي جسداً حيّاً يتبعني في موتي

يكتب سفسطتي وعنائي...

ويناقشُ دولاب الفجر، سرير اللذة، باب المعنى

قرب فراشي، ويربّت فوق الكتفين)) (ص55)

فهل دولاب مرفوع أو منصوب؟ فإذا نصب فانه (مفعول به) للفاعل (جسداً حيّاً) وإذا رفع فإنه فاعل مرفوع مفعوله (سرير اللذة) منصوباً وكلاهما، أيضاً، صحيح وجميل، والحكم الفصل في ذلك تحريك الشاعر لكلمات شعره كاملة للإفصاح عما غمض واستتر من الإعراب الذي يريد! الاّ إنه، ربما رأى هذه الصياغة أكثر إمتاعاً وجمالاً، وهو كذلك!

    بملاحظة جملتي (من خطأ في المعنى) في النظم الأول (أ) و (باب المعنى) في النظم الثاني (ب) نجد الأولى تخضع تماماً لمفهوم الغموض الدلالي (ازدواج المعنى) أي أن جملة (خطأ المعنى) تحمل معنيي (التورية): المستتر البعيد والظاهر القريب، إلا أن تعبير (باب المعنى) تعبير مجازي بلاغي في الكتابة عن شيء يقصده الشاعر وأخفاه، وعلى القارئ (الأوتوقراطي) أن يتوصل إلى (معنى المعنى) هنا، وفي كل مجال نظمي بلاغي في هذا السفر الشعري، بنفسه، لأنّ اشتقاق المعنى بتأويل الباحث هنا، ليس من مهمة البحث أو منهجه، إنما تدارك هذه السياقات وأمثلتها يقدم بعض الملامح التأويلية (الحرة)، هذا من جهة ومن جهة ثانية، فإن تحديد (معنى المعنى) في كل النظم الذي يقدمه الديوان إنما هو متعذر تماماً إذا أردنا التطابق مع الشاعر نفسه! أما إذا أردنا الاقتناع بتفسير تأويلي يخص مداركنا وتجاربنا (القَبْلية) أو البَعْدية فهو الصحيح والمفترض. ولما كان الغموض النحوي يلفّ هذه (المقاطع) الشعرية فإن الصعوبة ترتفع جمالاً وغبطة في تأويل معنى النص صوب السياسة أو الاجتماع أو الفكر أو الوجدان والعاطفة لتقصي جذور (المعنى) في وجدان الشاعر.

الحروف الرامزة والغموض

في الديوان عشرات الأبيات التي تطلق أو تتضمن (أحرفاً) عربية سليمة تبوأت مواقعها لترمز، من غير وضوح، إلى (شيء) ما، فهي واقعة أمام الغموضين السابقين إن شئت أو قبلهما أو بعدهما أيضاً. المهم هنا أن ما ترمز إليه الحروف قد يبقي على (مستويات) من الغموض، وليس غموضاً واحداً أو عاماً مما جعله يتميز عن الغموض الدلالي والغموض النحوي. نقرأ هذا المقطع من منظومة (نون المعنى):

(أ) ((والألف: أنا: مجهول في هيئة شاعر

وإله في هيئة مجهول

والباء حبيبة قلبي ضاعت في دائرة الحوت

والحاء أبي

والعين عيون من جدي

والهاء هم موتاي الأحياء اخرسوا وقت النطق وضاقوا

بالساعةِ، والساعة قائمة)) (ص 32)

هنا نستطيع عدّ هذه الحروف مختصرات للكلمات التي ارتبطت بها بوضوح. (ألف) في أنا وفي (إله)، والعين في (عيون) والهاء من (هم) وعندما يعرّف الشاعر (أنا) و(العيون) و(الهمّ) فإن نسبة الغموض تقل إلى مالم نستطيع معه القول بوضوح كل شيء لئلا يفقد النظم قوته الجمالية الرامزة ومتانته البنائية معاً. نقرأ مثل هذا الترميز Symbolization  في منظومة (ماضي المعنى) كما في المقطع (7) منها بتسلسل (ب) هنا:

(ب) (( مَن يفتح ميمَ الماضي؟

مَن يفتح راءَ الرغباتِ وشين الشمسِ المبقورة

والقمر المقطوع الرأس؟

مَن يفتح سينَ سريراللذة

وعيون الخوفِ، صرير الدم

مَن يفتح ميمَ الدم؟)) (ص 73 – 74)

 

 رغم أنّ (ميم الماضي) و(راء الرغبات) و(شين الشمس) و(سين سريراللذة) قدمت الحرف الأول رمزاً دالاً لما يليه إلاّ أن كلّ حرف يشير إلى (شيء) ما يتعلق بهذا الذي يدلّ إليه ويرتبط به وانسلخ منه. إنّ (تأويل) هذه الحروف وغيرها يأخذ أكثر من صورة معرفية وسلوكية ولغوية، وعلى نحو خاص التورية البلاغية. وتقترن الصورة المعرفية بالفلسفة والصورة السلوكية  بالتصوف والبلاغية بالتورية، حسب محتوى النظم في الديوان كله وسياقاته العامة. ففي قول الشاعر: (مَن يفتح ميمَ الماضي؟) يمكن تأويل حرف (الميم) فيه فلسفياً بـ(المثال والمثالية)، (الميتافيزيقيا)، (المدلول)، (الماهيّة)، (المطلق)، ولكن بلغة التصوف تصير: (مجاهدة)، أما بلاغة التورية فتجعل منها: (الموت، المجهول، المعجزة) وأما حرف الراء في قول الشاعر فيمكن تأويله إلى الفلسفة مذاهب (الرمزية) و (الرومانسية) ولكن بلغة التصوف يصير (الروح) وبلغة التورية (رهاب)، (رحيل)، (رأي). ثم تأتي عبارة: (سين سريراللذة) وتأويل الحرف فيها فلسفيا يمكن إرجاعه إلى (سيرورة)، (سبب)، (سببية) وفي لغة التصوف يتحول إلى كلمة (سرّ) و (قدس الله سرّه) وتورية ينقلب إلى (سلام) و(سقوط). وأما في جملة (شين الشمس) فإن حرفها الأول يتبع في الفلسفة مذهب (الشك) وفي التصوف (شهادة وشهيد) وفي التورية (شرق ومشرق). لم يخرج عن قاعدة المختصر بالحرف الأول الاّ (الميم) في جملة (مَن يفتح ميمَ الدم؟) الاّ أن تغير موقعه لا يؤثر في رمزية الحرف نفسه بقدر ما يخرجه عن قاعدة الاختصار(الانكليزية) جزئياً. ولا ضير في هذا التغيير، بل إنه عكس مسحة جمال صياغية تضاف إلى المسحة العامة التي تتسم بها الأبيات كلها في هذا المقطع إلاّ أن ثمة ترجيحاً للتورية على الفلسفة والتصوف في (ميم الدم) بتأويله إلى (الموت) أو (المجهول) أو (المعجزة). إذ أن (فتح ميم الدم) بوصفه (موتاً) يصير وقاية منه ودفعاً له، وبوصفه (مجهولاً) يصبح: سبر أغواره والكشف عن خباياه، وبوصفه معجزة يتحول إلى محاولة الإيقاف بها وتحقيقها رغم كل شيء وأي ثمن بما في ذلك الدم!

يتحوّل الشاعر (على نطاق محدود، تلقائي أو مقصود) إلى استعمال الحروف الرامزة استعمالاً رمزياً دالاً كما في (ب) أعلاه إلاّ أنه يمنح هذا الاستعمال بعداً (شكلياً) رائعاً بوضع الحروف الرامزة أمام القارئ طالباً منه (التصرف بها) خارج تأويلها أو معه، فإذا جمعت هذه الحروف بعضها إلى بعض منحتك كلمة (دالة ورامزة) بقوة لتضيف إلى النظم غموضاً جديداً غاية في الجمال. نقرأ في منظومة حوارية المعنى) المقطع الآتي لهذه الغاية:

(ح) (( سأكون قريبا ًمن إيقاعكَ يا فجراً

يُحْملُ فوق الرمح

سأكونُ الراء، أنا الراء

منذ طفولة أمطار المعنى في قلبي

وأكونُ الألف، أنا الألف

منذ شروق الشمس إلى غيبوبتها المرّة..

وسط الأمطار..

سأكونُ السين، أنا السين

منذ مجيء الهدهد من سبأ الناس)) (ص 39)

- لاحظ الحروف: (الراء) و(الألف) و(السين) وجمعها: رأس، ودلالته الشهادة والحقيقة والقمة، وكأن هذا (التأويل) يشرح محتوى المقطع كاملاً! إلاّ أن هذا التأويل لا يمنع التعامل مع (النص) بصيغ -وليس بصيغة واحدة– أخرى فنتعامل مع الحروف واحداً فواحداً: (فلسفياً) و(صوفياً) و(تورية) ونتعامل مع نظم كل بيت بما يناسب: جمالياً قد يرى القارئ نفسه (أسير) قول الشاعر (منذ مجيء الهدهد من سبأ الناس) فيحار في معناه المدهش الغامض! وإذا عاد إلى مادة بحثنا الأساسية: كلمة (المعنى) فقد يعاني من تأويل (أوتوقراطي) وحتّى (ألوقراطي) إزاء عبارة (أمطار المعنى) وما يزخر به هذا النظم من مجازات واستعارات.

 في تطبيق أخير، نقرأ حرف (النون) في بيت من منظومة (نون المعنى). إذ يقول الشاعر:

(د) ((انتبهوا

إذ تسرقني (النونُ) إلى عريي اليومي، أضيعُ وأفنى

انتبهوا رأسي فوق الرمح إله يبحثُ عن معنى!)) (ص 33)

 في التأويل الفلسفي يبدو(النون) ناموساً وفي التصوف يمكن إرجاعه إلى النهاية السرمدية: الخلود وفي التورية يمكن إعادته إلى المرأة أو النوم والأولى أكثر رجحانا، ثم نلاحظ  (الرأس) وقد وضِعَ على الرمح مما يؤول كما ذهبنا إليه في مثال (ح) أعلاه: الشهادة والحقيقة والقمة وجميعها يكمن في (إله) التي تبحث عن معنى ونسمح لأنفسنا القول هنا: يبحث عن سبب لما يجري ويسأل عن غاية له بتأويل سياسي – مجتمعي – إنساني عام.

التأثير الأسلوبي في النظم المبحوث

مهما تكن درجة "استقلالية" النظم المبحوث وإبداعه ثمة تأثر واضح بما هو أكثر فصاحة وأعمق بلاغة في بناء الجملة وإعلان مضمونها أو إخفائه، ولا يشكل هذا التأثر مثلبة، هنا، بقدر ما يؤكد النجاح في التفاعل مع أنماط أسلوبية (خالدة) بتكوينها الجُملي. إلاّ أننا نعترف أن هذا التأثير أخذ شكل المحاكاة في عدد من المواقف إزاء عدد من الآيات القرآنية، أي إنه تأثر بالنظم القرآني العظيم فهو تأثر خاص جداً رغم أنه محدود الأبعاد.

 ربما يأتي التأثر بالأسلوب القرآني من طريقي الوعي والاختيار المسبق فيبدو واضحاً عبر (ما يجري مجرى المثل) على لسان المتأدبين من الشعراء والمرهفين من الأدباء، وربما يأتي عفوياً تلقائياً ومتناثراً في القصيدة الواحدة أو بين القصائد المتعددة بسبب (تعمّق) الشاعر في متابعة المحتوى القرآني وأسلوبه الإعجازي الخارق. يمتع نظم أديب كمال الدين في سياق هذا المبحث بالخصيصة الثانية تماماً مع أنه قادر على أن يطلق الخصيصة الأولى على هيئة نظم مدروس وممنهج من غير عفوية أو تلقائية فضلاً عن النظم الشعري بالنهج الحديث.

تبدو نسبة التأثر الأسلوبي محدودة طبقاً لما أوضحنا أعلاه في نظم أديب كمال الدين في (أخبار المعنى) الاّ أن هذه (المحدودية) تعكس جمالاً تميزه القلة. إذ أن المحاكاة الشكلية تصحب معها تغايراً دلالياً أراده الشاعر لنفسه من خلال الأسلوب القرآني العظيم، فهو مثلا، في قوله :

((وابيضّت عيناي من الذل)) (أخطاء المعنى ص 12)

انما يحاكي قوله تعإلى في وصفه النبي يعقوب عليه السلام:

((وابيضّت عيناه من الحزنِ فهو كظيم)) (يوسف 84)

الاّ أنّ مدلول الشاعر في نظمه ليس علاقة مضامينية بالآية الكريمة، إنما يفترق عن الآية في الموضوع والغاية معاً. بيد أن الشكل المقتبس منح النص الشعري روحاً جديدة في المحتوى فضلاً عن الشكل (فالعمى الأبيض) يأتي من هول الاستجابة الانفعالية أحياناً، وهذه الاستجابة تقرّب المنظوم الشعري في نسج الآية الكريمة من دون أن نشعر بالاختلاس أو السرقة! هنا في الواقع يكمن جمال التعبير أنْ تحاكي ولا يبدو عليك أنك تحاكي فتبدو متأصلاً في رصف الكلمات وتحديد غائيتها. مع المحاكاة تظهر سمة الاستعانة بالمفردات العربية (القديمة) أو (المهجورة) كزهرات تتوزع على نوافذ النظم في الديوان كله، قليلة متباعدة، جميلة ولافتة للنظر، دافعة إلى التقصي والعودة إلى الأصول ومعجماتها، للتذكير: افرنقع، احرنجم، تعتع، العرجون... الخ. فليس كلّ قديم مندرس في (نظر) الديوان! وإن إحياءه ليس متعذراً ولو بين الشعراء.

 فيما يأتي خلاصة (مفيدة) مما تيسر استخلاصه من الديوان مكملاً ما مضى من المكونات قبل الدخول في مادة التحليل وأشكاله ونتائجه:

(أولا) المحاكاة القرآنية في النظم المبحوث

1- أخطاء المعنى ص 12

(أ) كانت أرضُ اللهِ تغرّد فيك

((قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)) (النساء 4- 97)

(ب) وابيضّت عيناي من الذل

((وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم)) (يوسف  12- 84)

2- أنثى المعنى ص 21

(أ) لا تأتمري أيتها النخلة

((قال يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بكَ ليقتلوك)) (القصص 28- 20)

3- راء المعنى ص 35 و 36

(أ) فاستقمْ أيّها الموت

(ب) فاستقمْ يا حنيني الطفولي

(ج) فاستقمْ أيّها السيف

((فاستقمْ كما أمرت ومن تاب معك)) (هود 11- 112)

4- دال المعنى ص 46

(أ) اشتدّ رمادي واشتعل الرأسُ جنونا

((قال ربّ إني وهنَ العظمُ مني واشتعلَ الرأسُ شيبا)) (مريم 19 – 4)

(ب) قمتُ أهشّ على كلماتي

((قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهشّ بها على غنمي)) (طه 20- 8)

(ج) فار الحرفُ كما التنور

((فاذا جاء أمرنا وفار التنور)) (المؤمنون 23- 27)

5- شمس المعنى ص 62

(أ) زلزلت الريحُ على بابي مطراً وحشياً

((إذا زلزلت الأرض زلزالها)) (الزلزلة 99 – 1)

6 – أغنية المعنى ص 68

(أ) يزرع أشجارَ الظلمةِ وسط الأمطار وزلزلة الماء

((إذا زلزلت الأرض زلزالها)) (الزلزلة 99 – 1)

(ثانيا) كلمات قديمة ومهجورة

1- أنا وأبي والمعنى. ص 14

(أ) افرنقع غيمُ شتاءِ الروح

2- أنثى المعنى. ص 23

(أ) واحرنجم فيها فعلُ الجزمِ، صفاتُ العاشق

3 – نون المعنى . ص 31

(أ) وانتبهتْ لعذابِ العرجون

4- دال المعنى . ص 46

(أ) افرنقعت الساعات

5 – نسيان المعنى. ص 54

(ا) وشربت ُالخمرة حتّى تعتني الكأس

6 – ضحك المعنى. ص 74

(أ) لا جدوى هربت سيّدةُ الجسدِ الطافحِ بالحبّ

نحو المدن الموءودة  باللامعنى.

 

 

 

 

المعنى عرضاً وتحليلاً

 حمل ديوان أديب كمال الدين "أخبار المعنى" ضمن قصائده الأبيات والمقاطع الآتية التي احتضنت كلمة (المعنى) اثباتاً ونفياً وتركيباً. نعرضها مع ذكر اسم النظم المستلة منه ورقم الصفحة كما يأتي للأهمية:

1- موت المعنى

وأختار لموتي معنى، وأضمّخه بالطيبِ وأنشرهُ في السرّ على أكتافي. ص5

2- أخبار المعنى 

ومرّتْ سبع لاهية لا تعرف بيتاً أو عنواناً أو معنى،..

أشكو معناي المقتول إلى الكلماتِ الفضّةِ: لا جدوى.

يبقى الجسدُ المدهوشُ عنيفاً لا يعرف للموت طريقاً أو معنى.

عذّبني المعنى. قاد المعنى بيتي نحو المنفى،

 ألقى القبض على أسئلتي، أودعني حجرات المنسيين. ص8

فأشيخ سريعاً وأنا بين طفولة اسماء صباي، ويدعوني

تفاحا ًمرّاً، يدعوني فأجوس المنفى: منفى الرمل ومنفى القبر

ومنفى المدن الموءودة باللامعنى حتّى أصل الغيمات. ص9

3 - أخطاء المعنى

 وارتحتُ إلى ميسمكِ المفتوحِ كشقّ التفاح

كنتُ أوزع خطأ مضغوط الشفتين ومرتجف المعنى. ص10

ونبوخذ نصر يرسم روح المعنى في قلبي

صرخات الجدّ المحمول على رمح المعنى ص11

كانت أرضُ اللهِ تغرّد فيك

وأنا أعتذراليوم إليكِ: إلى

خطأ في اللهجةِ من خطأ في المعنى..

خطأ في البهجةِ أو خطأ في الدمعة

خطأ في خطأ في خطأ الرأس

خطأ في خطأ الرمح الداخل في الرأس. ص12

4 – أنا وأبي والمعنى

الغيمُ يجيء و يذهبُ

والفجرُ يطرز حرفَ الدهر فلا معنى أبداً.

لا معنى لاعادة مشهد حبّ مكرور ملتهب، لا معنى. ص13

قام الساحرُ بالرقص، اختطّ لنا أرضاً تكفي لكلينا قال:

هنا نرقص ـ واختطّ بجانبها أرضاً أصغرَ ـ وهنا سنموت.

علينا بالرقصِ لأنّ المرأة شيء باطل 

والطفل كذلك، والسيف قويّ، والمعنى مكتنز في الرقص

فارقصْ! ص14

 5 – أنثى المعنى

 الباءُ جمال وحشيّ

الباءُ: الليلُ بلا أحداق ونجوم

الباءُ: فراش مكتظ ّبالمعنى. ص21

6 – نون المعنى

لا معنى لي إلاّ في حرفي

انتبهوا رأسي فوق الرمح إله يبحثُ عن معنى!  ص33

7 – حوارية المعنى

لا معنى يولد إلاّ من موتي

لا معنى يزهو إلاّ في قتلاي. ص 38.

سأكون قريبا ًمن إيقاعكَ يا فجراً

يُحْملُ فوق الرمح

سأكونُ الراء، أنا الراء

منذ طفولة أمطار المعنى في قلبي. ص39

8- صراخ المعنى

 أبكي، أتدثر بالصمتِ وأغفو

وأقومُ وأدعو وأصومُ، أناشد باب المعنى

بكلام اللامعنى. ص44

9- دال المعنى

أقفرتُ من المعنى، وزّعتُ ثيابي للفقراء. ص46

10 – باء المعنى

وأقول الألف ولا معنى.. ص50

فأرى في منتصف الليل

كلكامش يسأل كالأعمى عن معنى الباء

أنكيدو يبكي بدموع من طين. ص52

11 – نسيان المعنى

يا نون

يا سين القسوة، ياء اليم

* قال الأولُ: يسألُ أحد عن معنى النسيان؟! لماذا؟!

* قال الثاني: عبث عبث.

* قال الثالث: هي ذي... الكأس.

* قال الرابع: كنْ فيكون.

* قال الخامس: معناه الدهر. ص54

وبقيت ِأمامي جسداً حيّاً يتبعني في موتي..

يكتبُ سفسطتي وعنائي..

ويناقش دولاب َالفجرِ، سرير اللذة، باب المعنى.. ص55

12 – ارتباك المعنى

 مرتبكاً مذعوراً

كان المعنى قدّامي وورائي

يبحثُ عن معنى لطلاسمي العظمى! ص57

 13- خيانة المعنى

حاصرني المعنى باللامعنى...

أجلسني في تاءِ الموت قليلاً..

أطفأ نوري مرتبكاً، قال بأنّ العين

سقطتْ في نكدِ الدنيا..

فهلمّ الساعة نخرجُ، نخفي موتاً من نور

فخرجنا في الظلمةِ. أعطاني المعنى سيفاً..

قال: اقطعْ رأسك!

ففعلت!

وضع المعنى الرأسَ على الرمح

ومضى يحمله في الطرقات

وسط صهيل الناس. ص58

 14 – إيقاع المعنى

وامتدّ الجسدان بنا أخذانا للاّمعنى

غمرانا في إيقاع الحاء

تركانا نُذبح نُؤسر، نُقتَلُ من فرطِ اللذة

فتساءلتُ كدرويشٍ أعمى عن معنى المعنى

وتساءلتُ كطفلٍ عن معنى الماء! ص59

15 – رومانسية المعنى

ويخلط أقواس َالحبّ بثوب مسرّتها،

يشعلُ نهديها كي يخطفها للأعلى ويحلّق مذهولاً ثملاً وشـديد

المعنى. أنتِ معي، كفّك كفّي، عيناكِ بعيني والليل يموء ويفتح

عينيه بعيداً نحو الأقصى. يا لطفولة أعضائي ونعومة أغنيتي

حد دخول المعنى في اللامعنى.. ص60

16 –  شمس المعنى

وعلى باب الشمس ِ

أبيعُ ثيابي مبتهجاً وثيابَ الطفلِ النائم في أعضائي

أمضي مستترا ًيتبعني المعنى.  ص60

 17 – زمن المعنى

زمن كالقاربِ يسقطُ من أعلى الشلال

ويمضي من يومٍ حتّى يومٍ، من سنةٍ حتّى سنةٍ، من

قرنٍ حتّى قرنٍ، يتجلّى بوذياً في الأدنى، صوفيّاً

في الأعلى، ملكاً في المعنى، رأساً يُحْمَلُ فوق الرمح

إلى أقصى الأقصى. ص64

 18 -  نص المعنى

كان المعنى يرقصُ مدهوشاً من عري الحرفِ وعري 

 الجسدِ الطالعِ منكِ فقمتِ إلى أحرفه بنجومٍ من

 جمرٍ وسيوفٍ من نارٍ. حاصرتِ خطاه بقاعِ المسرح

 حتّى ضحك المعنى.

 .......................

كيف يصير الطارئ ملكاً والقاتلُ سيّدَ لعبة أطفالٍ فرحوا

بشموس طفولتهم يا سيدةً قتلتْ نوناً تبحثُ عن صاد المعنى.. ص66 

19 – إضاءة المعنى

 سأضيء المعنى: أتقمّصُ في السرّ دماً سيقود

ظلامي ومُحبّاً أفنى العمر بدولاب الموتى ينتظرُ الطيرَ

يجيء من الأقصى بأناشيد النون. أضيء المعنى كافاً

في هيئةِ ساحرةٍ تستحضرُ هيبةَ خيباتٍ وجلالة قتلى

ووساوس أرملةٍ  وظنون حروفٍ وجراراً من طين

كـُسِرتْ  في عيد طفولتي القصوى قرب دماء الأجداد.

أضيء المعنى فجراً من فتنةِ ميسمكِ الغامض في شفتي

وسط رمالٍ عاريةٍ.  سأضيء المعنى أحشاء غامضـة

التكوين ووهماً يتجلّى. سأضيء المعنى قصةََ سـيّدةٍ

تنمو وسط صحارٍ وسيوفٍ وفراتٍ قادتني للحــبّ

وقادت جسدي للحبّ فأمسى لدهور فوق البحر يجيء

ويمضي، يمسكُ كلّ شموس الدنيا تشرقُ ليلاً

وتذوب دماً ونجوم الكون تغور تراباً، يخفي سـفنَ

الناس بأزرقنا العالي وسواد التالي تمخر مأساة سلام

الموتى. سأضيء المعنى نوناً لا تفنى، تاءً تتجلّى،

ظاءً من رملٍ، ألفاً من نور، راءً من حبّ همجيّ

عذّبني فوق الجمر طويلاً فيكون المعنى أن أنتظرالمعنى. ص67

20 – بيت المعنى

للمعنى بيت خـَرِب. للمعنى باب أدخلهُ، بهـدوء

أسطوريّ، أخرج من بين ثيابي سكيناً غامضةً وأفتشُ

عن لحمِ عذابي وأقطّعه بحروفي المرّة وسط هدوءٍ أعمى،

لأدندن في كأسي: للمعنى بيت، سكين، لحم ألـِق.

للمعنى قمر، موت. للمعنى أعداء شرسون، وللمعنى 

ربّ وملائكة ونجوم. ص68

21 -  أسماء المعنى

الجمعُ يصفّق سخفاً، فأنا لم أعلن أبداً عن

 أسماء دمي، لم أعلنْ عن أسماء المعنى.  ص69

 22– عري المعنى

أولمتُ لأعضائي فاكهةَ لفجر فجاء الموتُ سريعاً وانقلب المعنى

في فنجان لغاتي. الشِعْرُ يغنّي في فرحٍ أسطوريّ خيبتَه

ويقوم يقبّل دمعي كي نقتل شيئاً يدعى المعنى. ص70

23 - ماضي المعنى

خلفي المعنى، قدّامي المعنى. ص73

24 –  ضحك المعنى

لا جدوى..

هربتْ سيدةُ الجسدِ الطافحِ بالحبّْ

نحو البحر العاري بفحيح الأجساد، أنين الرغبات.

نحو المدن الموءودة باللامعنى... ص74

25 –  كاف المعنى

قال الأخضرُ حين تقبّل موتي اليوميّ..

وحرماني الأزلي ومقتلَ شمس طفولتي الذهبيّة..

في بابِ المعنى:

خذْ من كافي حائي.

فإن شئتَ الكاف إليكَ تكون دليلاً

لتقودكَ نحو الأخضر: نحْوي يا أعمى

نحْوي فالكاف تجلّتْ وبدتْ ثاقبة المعنى. ص78

26 – وصول المعنى

ووصلتُ إليك أخيراً يا معناي.

صاح فراتُ الأجدادِ

المكتهلين بموت اللامعنى: انتبهِ اليوم لسرِّ الحرفِ

بموضعها وتموضعْ  فيها واثمرْ فالعمرُ حديث خرف

يهذي. يهبط ُ فجرّ من قلبي. أهبطُ حتّى الشارع،

في بيتِ القبلاتِ الثكلى أودع معناي وأصعدُ حتّى

دجلة ذات الجسد العذب الشفتين فلا تعطيني إلاّ ما

تعطي سيّدة  للبعلِ، فماذا أفعل؟ دوّخها مَن يملك

سارية الأسمنت وسارية الدينار فلا تخفي وجع الضائع

مثلي. أمسكتُ بأنهاركِ مستتراً فرأيتُ بعيداً أبعد

منكِ وأقرب منّي نهراً أسود يصفرّ عليه الناسُ من

الخوفِ طويلاً، نهراً أبيض يسودّ عليه الناسُ من

الصحراء، ونهراًً عذباً شاهدتكِ فيه بلا ثوبٍ نائمةً

منتصف الليل  تئنّين إلى المعنى.....

قام الرأسُ إليّ أخيراً، قبّلني، صاحَ بأعضائي 

 فتنبّهتُ من الموتِ إليك، وجدتُكِ عاريةً قربي.

 رجع الرأسُ إلى جسدي، قال: أنا المعنى. فبكيت. ص81

 

 من هنا نستخلص أن (فلسفة المعنى) عبارة عن (توجّه المعنى + سعة المعنى) في النص الواحد بيتاً أو مقطعاً، أما اشتقاق صيغة (قانون) لهذه العلاقة على وفق الاحتمالات المتاحة، ولم يقدم الديوان جميع الاحتمالات منظومة شعراً، ولو فعل ذلك لخرج من رائدة شعر الالهام والتلقائية إلى دائرة المنهج والتأليف! فلقد قدم الأسس والمبادئ وترك التفاصيل للباحثين والمتخصصين ليستخلصوا منها منهجاً جديداً ومبادئ جديدة تصلح للدراسة والمناقشة المنهجية من غير حرج  وهذا ما تحقق في هذا البحث كما تظن إن صحّ ما تظن.

*******************************************

هذا ملخّص لدراسة الكاتب والناقد الراحل واثق الدايني حيث تعذّر نشرها كاملة بسبب طولها. لقراءة النص كاملاً يرجى زيارة موقع الشاعر أديب كمال الدين:      www.adeb.netfirms.com

 وهذا هو الرابط لقراءة النص ج1   http://www.adeb.netfirms.com/makalat%20an%20alshaeer/wathek%20-%201.htm

ج 2

http://www.adeb.netfirms.com/makalat%20an%20alshaeer/wathek%20-%202.htm

ج 3

http://www.adeb.netfirms.com/makalat%20an%20alshaeer/wathek%20-%203.htm

 

 

 

 

 

أخبار المعنى: أخبار الحرف واللون والرأس المقطوع

 

 

ريسان الخزعلي

 

   

(1)

الخطاب الشعري

 الخطاب الشعري في (أخبار المعنى) للشاعر أديب كمال الدين، خطاب مغاير، خطاب غير مكتشف بهذه السعة، خطاب لا يقوم على اليومي المألوف، خطاب ذهني ـ تشكيلي، يضع الحياتي خارج منطقة الشعر ويسعى في الوصول إليه من خلال الإشارات والشفرات الدالة،  خطاب يقوم على الوحدات والعينات المتشابهة المعنى، الإيقاع السريع الحركة (فعلن، فعلن) تطويعات الحرف واللون لضرورات العمل الشعري الفنية والجمالية.. خطاب يقوم على التأويل والفهم الديني والتصوفي لدلالات الحروف وتوظيفها في الأنساق الشعرية التي تحفر بعيداً في المعنى عن المعنى.. إنه خطاب لا ينشغل بالبهجة والمتعة التي توفرها بهجة الحياة في الشعر، لأنه منشغل بالمتعة الذهنية أكثر من سواها. لذلك فإنّ خطاباً من هذا النوع لن يتسع إلاّ بقدرات نوعية لاحقة تمنحه صفات أخرى من الحركة.. من هنا فإنّ الشاعر قد انشغل بموضوعة الحرف طويلاً  في مجاميعه: (جيم، نون، أخبار المعنى) لتأكيد هذه القدرات بدراية عالية:

 حوصرتْ دمعتي حين قتلاي قاموا إليّ

بسيفٍ طوي