بسم الله الرحمن الرحيم

 

ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة

 شعر: أديب كمال الدين

 

 (Before the Letter...After the Dot)

 

Adeeb Kamal Ad-Deen

 

 

 

 

 

2006 أزمنة للنشر والتوزيع - عمّان - الأردن

كُتِبتْ قصائد المجموعة في أستراليا في الأعوام 2003، 2004 ،2005   

 

القصائد:

أصدقائي الأوغاد والمنفيّون والسذّج

هو أزرق وأنتِ زرقاء

ضجّة في آخرالليل

تمثال

مطر أسود.. مطر أحمر

يا بائي وبوابتي

اعترافات النقطة

جثة في البئر

إذهبوا للجحيم

ساحر

شجرة وحيدة

قصيدتي المغربية

حوارات النقطة

عرق ودم

صيحات النقطة

قصة حبّ

جسور

حصانان أسود وأحمر

قطرات الحبّ

3 حاءات

امرأة بشعر أخضر

حقائب سود

مباهج الرندلمول

إلى أين

سؤال

جسر بعشرات الثقوب

حمامة

صورتان لبئر

مسلسل

فخ

الأعزل

شعراء الحرب

وداعاً

أمل

ألوان

اختباء

سهرة صامتة

بكاء الحاجب

خنجر أسود. . صرخة بيضاء

سجود

بطاقة شخصية

أديب كمال الدين والحروفية الشعرية - حوار: أجراه عبد الكريم الكيلاني

 

 

أصدقائي الأوغاد والمنفيّون والسذّج

 

(1)

حين جلستُ إلى الساعة

كانت الساعةُ شاباً مقتولاً

قرب كنيسة أحزان العالم

جاء أصدقائي الأوغاد والمنفيّون والسذّج

ووضعوا صليباً خشبياً

قرب دماء الجثة

ووضعوا ورداً لا اسم له

وآساً وفاكهة ًمعفّرةً بالتراب

قالوا: مَن هذا المقتول؟

وما معنى الساعة؟

(2)

حين جلستُ إلى المرأة

كانت جسداً بضّاً

من عسلِ الوحلِ وريشِ البومة

كانت ملآنة ًبالعريّ الذهبيّ

وبالعريّ الفضيّ

وبالعريّ الأسود

جاء أصدقائي الأوغادُ والمنفيّون والسذّج

قالوا: ما معنى المرأة؟

وكيف يكون العري أسود؟

  (3)

كيف يكون اللحنُ على هذا الحال؟

كيف سأصفُ، اللحظة، موتي الأبديّ

وضياعي في جسدٍ من لعنةِ الحبّ

وعذاباتِ الرغبةِ والشوق؟

كيف يكون الحالُ على هذا المنوال؟

من غيمتي الصغرى

أعني من غيمتي الخضراء

إلى درجٍ يمضي إلى مأساةٍ من عسلِ الوحل

إلى درجٍ يمضي حتّى الأسفل

ليلامس أياماً تتطايرُ كالريش

إلى درجٍ يمضي

حتّى جثة ذاك الشاب المقتول

وصيحات صليبه الخشبي

وفواكه قلبه المعفّرة بالتراب.

آ. . .

كيف يكون –

يا مَن قالَ: "كنْ فيكون" –

مقتولاً جئتُ إلى الدنيا

وسأغادرها مقتولاً أيضاً؟!

 (4) 

لا

لا

سأعيد ُ كتابة هذا النص!

فلقد احتجّ أصدقائي الأوغاد ُوالمنفيّون والسذّج

على العنوان:

جاءوا في الليل

قلعوا الصليب الخشبي

ووضعوا تراباً فوق دمي المتناثر

وحاول بعض منهم

أن يأكل فاكهتي الملقاة على الأرض.

واحتجّوا على متن النصّ:

أخرج أولهم سكّيناً ليهددني

وقام الآخرُ بشتمي

وقام الثالثُ بكتابةِ تقريرٍ سحريّ أو سرّيّ

عن غيمتي الخضراء

ودرجي الهابط إلى الأسفل

وأيامي: أيام الريش.

 (5)

بعد سنين من كتابة نصّي هذا

قُتِِلتُ قرب نهر ميت

في آخر قارّات العالم.

جاء أصدقائي الأوغادُ والمنفيّون والسذّج

حملوني في تابوتٍ أسود

حفروا الأرض ووضعوني فيها

قالوا: لم نفهم ما قال!

كان يكتب حروفاً ونقاطاً صوفية

ويصفُ الدنيا كسريرِ امرأةٍ من عسلِ الوحل

ويصفُ المنفى ككتابِ مجانين وعراة!

أحياناً يضحك ُمن فوق الدرج ليقول:

هذا درج يمضي حتّى الغيمة

أو حتّى أيام الريش!

أحياناً يتحدثُ عن عريّ ذهبيّ

أو فضيّ أو حتّى أسود!

قالوا: لم نفهم!

هل كان إلهياً أم كان خرافياً؟

أنسياًً أم جنّياً؟!

 

 

هو أزرق وأنتِ زرقاء 

 

 

(1)

أنتِ تشبهين البحرَ في كلّ شيء

نعم،

هو أزرق

وأنتِ زرقاء

هو ساذج أخرق

وأنتِ ساذجة أكثر مما ينبغي

هو صاحبُ المعاني التي تبدأ بالفراش

وتنتهي بالموت

وأنتِ صاحبةُ الفراش

هناك يبدأ معناكِ بالظهور

شيئاً فشيئاً

لينتهي بالغرق والموت.

(2)

نعم،

البحرُ يشبه جسدكِ المليء بمشاعل النار

فله أثداء من الرغبة

تهبطُ وتعلو

ولكِ ثديان من الحمىّ

يعلوان أبداً

وله سيقان من الحلم

ولكِ ساقان من الزلازل

يبدأ عذابهما بالقُبلِ التي تصعد

يميناً ويساراً

لتنتهي قرب باب الخرافة

بما يشبه القتل الجماعي

لمئاتِ الفارّين من المعركة.

 (3)

وعلى ذكرِ القتل والزلازل

فالبحرُ يخرجُ أثقالهُ بين حين وحين

ليذبح عشاقه ومحبّيه

وأنتِ تخرجين أثقالك

كلّ يومٍ وليلة

كي تذبحي عاشقكِ الخائن

ولكن ليس برعب الزلازل

بل بسكين تغرقُ في الصدأ والطين.

(4)

ما أحلاكِ إذن

وأنتِ تفسدين عليَّ حفلتي منذ الصبا

وأنتِ تفسدين عليَّ قصيدتي من المطلع

وأنتِ تفسدين عليَّ أنفاسي

بأنفاسكِ المليئة بالرغبة

حينها لا يبقى لي من متسع

سوى أن أتعرّى أمامكِ

مليئا ًبالهذيان

وأنتِ تتعرّين أمامي

مليئةً بالمكائد والأسرار

مليئةً بفخديكِ وبطنكِ وأقمارك

مليئةً بناركِ وأمطاركِ وأغانيكِ ودموعك

مليئةً بصيفكِ وربيعك

مليئةً باستسلامكِ الشجاع

ومليئةً، في آخر المطاف، بضياعي الأعمى.

(5)

أنتِ تشبهين البحر

لا شكّ في ذلك!

ولكنْ أيّ معنى يختفي خلف هذي الحقيقة؟

لقد ضعتُ بين يديكِ قبل أربعين قرناً

طفلاً ملعوناً

وملاكاً مصاباً بحمّى الجذام

وشيخاً منفياً في أقاصي العالم

وشاعراً يشكو أبداً من وحشة الشمس

وشمساً تتقلّبُ في سماء ضيقة

وسماءً تلعبُ تحت عرش الذهب

وذهباً يتقاتلُ من أجله السافلُ والملك

وملكا ًلا يأبهُ لصيحاتِ شعبه الذي يحيطُ بقصره

حاملاً، كلّ ليلة، المشاعلَ والسكاكين.

(6)

أنتِ تشبهينَ البحر

لاشك في ذلك!

لكنْ أيّ معنى يختفي خلف ذلك البحر؟

خلف تلك الزرقة العجيبة التي تبدأ

لكي لا تنتهي

أو تنتهي كي تبدأ من جديد

خلف تلك المراكب الضائعة

والبحّارة الذين يرقصون أو يبكون

على سطح سفنهم المبحرة أبداً

خلف تلك المدن التي تنتظرهم لتنساهم أبداً

خلف ذاك البياض الذي لا أفهمه

خلف ذاك السواد الذي لا أتقبّله

خلف ذاك الاحمرارالهابط الصاعد

خلف تلك التي تعجزعن وصفها الحروف والكلمات

خلف ذكراكِ الحيّة الميّتة

خلف ذكراكِ المقدّسة!

(7)

أنتِ تشبهين البحر!

كم يتقلّب البحر!

انظري:

جسدكِ مسجى

وأنا أتلمّسُ بأصابعي شمسكِ الحارقة

أهبطُ مرعوباً إلى بابِ الخرافة

كم حلمتُ بها

أيتها الضائعة أبداً

المسجاة قرب جسدي أبداً

كم حلمتُ ببابِ الخرافةِ وشمسِ الخرافة

ولذا مثل مَن يستسلم

لقدرهِ الذي يشبهُ سيركاً من المجانين

تركتُ أصابعي قرب تلك الباب

تتلمّسُ طفولتي وشبابي وشيخوختي

تتلمّسُ حروفي ونقاطي

تتلمّسُ بطنكِِ العاري

آه

كم حلمتُ بتلك الشمس المتقلّبة

كموجةِ بحرٍ تولد

من اليمينِ إلى اليسار

من الطيرِ إلى الغيمة

من الأزرقِ إلى الأصفر

من الوقوفِ إلى الهرولة

من الرفضِ إلى الاستسلام

من النارِ إلى الثلج

لا

لا

لا ثلج أبداً

هناك نار تتنقّل معي

كما تتنقّل لعنةُ الجذامِ في الجسد

كما تتنقّل لعنةُ الفقرِ مع الفقراء

كما تتنقّل الإشاعةُ بين أفواه العجائز

كما تتنقّل الحروفُ من كلمةٍ إلى كلمة

ومن قصيدةٍ إلى قصيدة

ومن موتٍ إلى موت! 

 

 ضجّة في آخر الليل

                   

قالت النقطة:

انظروا إلى هذا الأرعن الذي ملأ

عليَّ الشارع

ضجيجاً وصراخاً.

وقال الحرف:

انظروا إلى هذه الخائنة التي سرقتْ

قلبي وفلذّة كبدي

وتركتني أنام على الرصيف

صمت الناس

أعني الكلمات

صمتت الكلمات

أعني الناس

واحتاروا في أمرّ هذه الضجّة العجيبة

آخر الليل.

جاء أحدهم وصبّ الماء

فوق رأس الحرف

وجاء الآخر

ليسألَ الحرفَ عن مدلوله ومعناه

وجاء الثالث

ليحدّق كالمشدوهِ في هذا الحرف

المرمي في آخر القصيدة.

أما النقطة

فاختفتْ وسط بيت خيانتها المنيف

لتترك الحرف يبكي ويصرخ ويولول

وسط صهيل الكلمات

أعني وسط صهيل الناس!

 

تمثال

 

في نوبةِ غضبٍ مجنون

أحرقتُ صوركِ كلّها

ولم أعرفْ حينها

أنّ رمادَ صورك

قد تجسّد في ذاكرتي

تمثالاً كاملاً لا ينقصه أيّ شيء

تمثالاً ألمسه بأصابع البخيل

كلّ يوم

فأدهش

لأنّ الحرارة لم تزلْ فيه

وأدهش

بعد أن أقبّله ُمرّاتٍ ومرّات

أنّ قلبه ُينبض!

نعم

كلّ تماثيل ذاكرتي

كانت مهشمة، بدون رؤوس

وحده تمثالك

كانَ كاملاً

ولا ينقصه إلاّ الكلام!

 

مطر أسود. . مطر أحمر

 

(1)

بعد أن خرجنا من الحرب

نرتدي معطفَ الرعبِ والجنون

اتجهنا إلى بغداد

يتقدّمنا صاحبُ الجند

ممتطياً حصانه الأبيض مزهوّاً

ونحن من خلفه نجرّ أقدامنا جرّاً

حفاةً، شبه عراة

قال، حين ظهرتْ مآذنُ المدينة،

"سأختارَ لكم موتاً جديداً".

فضحكنا

وتساءلَ الشيوخُ منّا

عن الموتِ الجديدِ وَجلين

أما نحن، خيرة الجند،

فتصوّرنا الأمرَ مزحةً عابرة.

(2)

لم تمرّ سوى شهور

حتّى قرر صاحبُ الجند

أن يشنّ حربَ النار

على جيرانه النائمين في العسل

فبدأنا بالحرقِ، حرق كلّ شيء:

المواشي والأغنام والمزارع،

الأسواق ومخازن الغلال

ثم حرقنا بيوتَ الشرطة والتجّار

والمخابزَ والمدارسَ والمطاعم.

ثم أمُرِنا أن نحرقَ المساجد.

ارتبكنا قليلاً

كيف لنا أن نحرقَ المساجد؟!

غير أنّ صاحبَ الجند

مثّلَ أمامنا بجثةِ جنديّ رفضَ الأمر

فما كان منّا

إلاّ أن دخلنا بيوتَ الله

نحرقها ونطلق صيحاتِ الرعب

الرعب من الله

الرعب من أنفسنا

والرعب من الرعب!

 (3)

مرّتْ سنين طويلة

حتّى غطّتْ بغداد

غيمة لا أوّل لها ولا آخر

وبدأتْ تمطر

كانت الغيمةُ سوداءَ كجهنم

فنزل المطرُ أسودَ كالقير

ضحكَ الأطفالُ أوّل الأمر للمطر

لكنهم بكوا

حين أصبحتْ وجوههم كالقير

واستبشر الزرّاع خيراً

لكنهم وجموا إذ رأوا أشجارهم

تموتُ ببطء

ثم جاء الدورُ للسحرة الذين وقفوا

في أزقة المدينة

ينتظرون المطر ينزل في أوانيّهم.

كانوا يرقصون

فهذا المطر رديف للسحرالأسود

قالوا انهم سيسحرون به كلّ شيء

حتّى صاحب الجند نفسه!

 (4)

استمر سقوطُ المطرِ سنوات وسنوات

كبرُالأطفالُ وهرموا وماتوا

اغتمّ الفلاحون

بل ماتوا من الغمّ.

وحدهم السحرة كانوا يرقصون

فالمطرالأسود

كان عوناً عجيباً للسحر الأسود

هكذا سحروا المدينةَ كلّها

سحروا الجندَ فصاروا لصوصاً وقَتَلة

وسحروا الشيوخَ فصاروا كذّابين وتافهين

وسحروا صاحبَ الجند

فاختفى في حفرةٍ داخل الأرض

تاركاً لهم قصوره وذهبه وحصانه الأبيض

ثم سحروا المطرَ الأسودَ نفسه

فصار مطراً أحمر:

مطراً من الدمِ القاني

صبغَ وجوهَ السحرةِ ولحاهم وأوانيهم

ثم صبغَ طلاسمهم وحروفهم وبخورهم

ثم صبغَ ذاكرتهم وصيحاتهم وأصابعهم

حتّى ضاعوا إلى الأبد

وضاعتْ معهم بغداد إلى الأبد.

 

 

يا بائي وبوابتي

 

 

(1)

مع أنني أطلقتُ عليكِ اسم الباء

ثم أطلقتُ عليكِ اسم النقطة

(بعد أن قيل لي انّ كلّ الباء في النقطة)

فإنني لم أشفَ بعد من جراحي التي سببتها

سكاكينكِ وشراشفكِ وروائحك.

نعم، لم أشف َ

مع أنني كتبت

سبعين ملحمة في ذكراك

وسبعين قصيدة لتمجيدك

وسبعين بيتاً لعدّ دموعي المتساقطة

في الطرقاتِ من أجلك

وسبعين، سبعين

نعم،

فلقد سطا عليك الزمان

وتناهبتك اللذةُ ذات اليمين وذات الشمال

وحين كنتِ بين ذراعيّ

تلثغين بمفاتن نهديكِ وساقيك

سطا خدم العرش ليسرقوكِ منيّ

ونهبوا عرشَ ذهبكِ ومفاتنكِ وملابسكِ الداخلية.

(2)

كان المشهد أكثر كابوسية مما أحتمل

إذ كان يتطلّب أن أقلع عينيّ

كما فعل أوديب

وأن أقطع رأسَ الحروف

وأعلّقها على بواباتِ العبث

ولم تكن لديّ حروف بالمرّة.

وكان المشهد يتطلّب أن أخرج

إلى الشارع عارياً

عارياً تماماً

وما كان هناك من شارعٍ في الأرض

يمكن أن أمشي عليه

بقدميّ الملتصقتين ببطني

يا ملكة العري والفجيعة

يا بائي وبوّابتي

يا بليـّتي وبـَلبـَلتي.

(3)

كان خروجي مدوّياً

لأنني كنتُ مَن يحمل رأسه بنفسه

فوق رمح عظيم

وكانت النسوةُ والملائكةُ تهرب مني

وهي تحمل طبولها وأبواقها الكبيرة

خرجتُ

لم أجد مَن يقول نعم

لرأسٍ محمولٍ على رمحٍ عظيم

كانت الطرقات جافّة

والشمس ساطعة

والغرباء يتلعثمون

وهم ينظرون إليّ:

ما هذا؟

أهو جنّي أم أنسي؟

أهو صوفي أم ملحد؟

أهو قربان أم خرافة؟

(4)

وخرجت

عبرتُ الأسلاكَ والحدود

عبرتُ المعنى والكلمات المتقاطعة

عبرتُ النقطةَ والوحشةَ والحلم

عبرتُ الأحشاء الداخلية والأعضاء التناسلية

عبرتُ الذي خرّب البلاد

وباعها من أجل حفنة من الجراثيم

وعبرتُ الذين باعوا كلّ شيء

من أجل حفنة من الشتائم

واللواتي بعن أجسادهن في سرير الدنانير

وعبرتُ، عبرت

حتى لم يعد هناك من شيء أعبره

يا فجيعتي

يا مَن قتلتني في سن العشرين

وظلّت تلاحقني حتى السبعين

أما من راحة؟

أما من هدنة؟

أما من صواب

لهذا الخطأ الذي يحتاط لكلّ شيء،

لهذا الخطأ الذي يقودني من خطأ

إلى آخر أكثر فتنة وصوابا؟!

 (5)

 انظري

لقد تركت

- من أجل أن أنساك –

الفرحَ الذي يتصاعد من دربكة الخيول

والحمامَ الذي يتصاعد من حمحمةِ الرغبة

وتركتُ الأنهارَ المقدسة وغير المقدسة

والجبالَ التي يقفز عليها السكارى

وتنام عليها الوحوش

تركتُ – مِن أجل أن أنساك –

حتى ما لا ينبغي تركه لأيّ عاقل أو مجنون

دون أن أنال ما أريد

يا كَرَبي وبلائي

يا بهائي ولوائي

يا شبابي المدمّى

وموتي الأبله الذي ينتظرني

ساهماً في آخر قارّات العالم.

 

 

                  اعترافات النقطة

 

 

قالت النقطة:

مرّ عشرون عاماً

أو ثلاثون

ربّما أربعون

لم أعد أتذكّر الرقم

لكنني أتذكّرُ انني قدتكَ إلى الهاوية

- أيها الحرف -

قدتكَ إلى السعير، فجهنم، فَسَقر

ثم ألقيتُ بكَ في مهاوي الجحيم

أتذكّرُ انني نسفتُ معناك

وأشعلتُ ذاكرتك

وألقيتُ القبضَ عليك

باسم الحبّ

ثم خنتكَ في أقرب فرصة!

أتذكّرُ أنني علمتكَ كيف يطيرُ الطير

بل أنني خلقتُ منكَ طيراً

أنني علّمتكَ كيف يسير النهر

بل أنني فجرّتُ منكَ نهراً

وفجرّتُ منكَ مإذنةً وقبراً

وفجرّتُ منكَ خرافةً للشعراء والمجانين

وعرّفتُ بكَ إذ كنتَ طيناً

فصرت َأسطورةَ كلّ شيء حيّ

وأسطورةَ كلّ شيء يموت

نعم، أيها الحرف،

هلاّ تذكّرتني

هلاّ تذكّرتَ يوم كنتُ أنفخ فيكَ الروح

روحَ اللذة

وما كنتَ تعرفُ معنى الروح

ولا معنى اللذة

هلاّ تذكّرتَ يوم جعلتكَ تتلمّس المعنى

وتدخل باب المبنى

وكنتَ غرّاً غريراً

وكنتُ أفعى!

هلا تذكّرتَ دمعاً يصبُّ من عينيّ

قرب باب الذهب

هلاّ تذكّرتَ أنني وردة

وعطاياي لهب

وكانت بصدري تفاحة الماء

ورمانة من عنب

ثم صلبتكَ – بالمكرِ – عند بابي

وادّعيتُ عليكَ فضعتَ

كما يضيع الرملُ في العاصفة.

هلاّ تذكّرت

أنني بعضكَ الحيّ