نون

 

شعر: أديب كمال الدين

 

بغداد- مطبعة الجاحظ 1993 - ط1

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ن والقلم وما يسطرون

صدق الله العظيم

 

  

الإهداء

إلى: نقطتي وهلالي

بمناسبة استمراري حيّا حتّى الآن.

 

 

 

 

قصائد (نون)

قاف

جنّة الفراغ

خطاب النون

أحبّك كما أحبّك

خطاب الألف

الصفحة الأخيرة

 

 


 الشاعر أديب كمال الدين

 

ولد الشاعر أديب كمال الدين في بابل – العراق عام 1953 وأكمل دراسته الجامعية ببغداد  ليحصل على بكلوريسين: الأول في الاقتصاد من كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة بغداد1976  والثاني في الأدب الانكليزي من كلية اللغات – جامعة بغداد 1999 مع دبلوم الترجمة الفورية - المعهد التقني لولاية جنوب أستراليا - 2005

أصدر المجاميع الشعرية: تفاصيل 1976، ديوان عربي1981 ، جيم 1989 ،نون 1993، أخبار المعنى 1996، النقطة 1999 ، حاء 2002 ، ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة 2006 ، شجرة الحروف 2007.

 كُتبت عن تجربته التي تستلهم الحرف العربي مجموعة كبيرة من الدراسات والبحوث النقدية من قبل نقاد عراقيين وعرب. كما تُرجِمتْ قصائده إلى الانكليزية والفرنسية والالمانية والرومانية والايطالية والاسبانية والكردية ونُشِرتْ في مختارات شعرية عراقية وعربية وأرجنتينية وأسترالية. كما شارك في العديد من المهرجانات الشعرية في العراق والأردن وأستراليا وفي ربيع الشعر(ملتقى الشعر العراقي – الفرنسي)2000. عضو في عدد من المؤسسات الادبية والصحفية والترجمية العراقية والعربية والأسترالية. ترجم إلى العربية أعمالاً أدبية وشعرية لشعراء وكتّاب من أمريكا والمانيا والصين واليابان وأستراليا ونيوزيلندا وكوريا والهند. يقيم حالياً في أستراليا. موقعه الالكتروني:

www.adeb.netfirms.com

عنوانه الالكتروني:

adeebkamal@hotmail.com

 

 

   قاف

 

لكلّ مَن لا يفهم في الحرفِ أقول:

النون شيء عظيم

والنون شيء صعب المنال

انه من بقايا حبيبتي الإمبراطورة

ومن بقايا ذاكرتي التي نسيتها ذات مرّة

في حادثٍ نوني عارٍ تماماً عن الحقيقة

ومقلوبٍ، حقاً، عن لبّ الحقيقة

وهكذا اتضح لكم كلّ شيء

فلا تسألوا، بعدها، في بلاهةٍ عظيمة

عن معنى النون!

*          

 لعنفوانكِ ينبغي أن انحني

لجمالكِ ينبغي أن أكتب الشعر

لمحبّتكِ ينبغي أن أخترع أبجديةً جديدة

لعشقكِ ينبغي أن أعيد اكتشاف الدموع.

*         

 ينبغي للشاعر أن يعشق

حتّى يتعرّف إلى الشمسِ وهي تشرقُ ليلاً

وإلى الهلالِ وهو يصبحُ نوناً من غير نقطة

وإلى النقطةِ وهي تصبحُ سحراً

يضيء فحمةَ الليل.

*         

 سأمنحكِ أيتها النون المجنونة بالجمالِ والانكسار

مجدَ الكلمة

وسأعلنكِ إمبراطورةً حقيقية

وأتوّجكِ في احتفالٍ سريّ عظيم

بتاجِ الحروف

وقلادةِ الكلمات

وطيلسان القصائد

ووسامِ الهيام

وعصا السحر.

*

 أين كنتِ كلّ هذه السنين؟

لماذا صعدتِ الآن إلى سطحِ أيامي

بعد أن كان الغموضُ يأكلك

كما يأكل سمكُ القرش السمكَ الصغير؟

هذه أسئلة وضعتـُها أمام النون

فرأيتُ الألفَ يلقي بنفسه في البحر

بهدوء.

*

 كلمةٌ عابرة منكِ أعادتْ لي يومي المسروق

وشمسي الضائعة

وابتهالاتي التي لا تكفّ عن التمتمة

كلمة عابرة منكِ رتبتْ نبضاتِ قلبي

وأعادتْ لها الرنين

وإيقاع الحنين.

 *

 أعترفُ لكِ الآنَ انّ الشاعر مجنون

والعشق جريمة

فمنذ أن عرفتكِ وأنا لا أكفّ عن الهلْوَسة

أمام إيقاع نونكِ المريب

ولا أتوقف عن ترجمةِ أحلامي إلى كلّ لغات الأرض

متصوّراً انّ اللغة تعيدكِ إلى نفسك

وتعيدُ نفسكِ إليّ

فأنتبهُ إلى نفسي

أيتها الأسطورة الضائعة فيَّ.

*

ينزفُ الشاعرُ حين يعشق

آلافَ الكلماتِ والحروف

ليغربل لغته من أدغال الصدأ

ويغربل قلبه من أدغال الموت.

*

 أيتها الإمبراطورة

سمعتُ أنكِ بحاجة إلى ملكٍ أو أميرٍ أو شاعر

أو عاشقٍ أو جّلادٍ أو خادمٍ أو شحاذ

أو صعلوكٍ أو مهرّجٍ أو بوّاب

ولأجل ِأن أنال نونكِ فأنا مستعد أن أكون

الملك أو الأمير أو الخادم أو الشحّاذ أو الصعلوك

أو المهرّج أو البوّاب 

أيتها الإمبراطورة 

تذكّري هذا المجنون الذي لا يكفّ عن ترديد

هذه النغمة ليل نهار أمام قصر حبّك

تذكّريه فهو يشبهني تماماً...

إنه أنا!

*

دخلتُ في الإيقاعِ الخطير

لقد بدأ الحبّ يسدّ عليّ مسامات روحي

ويعلن في مكبراتِ الصوت:

أنني خطأ فادح

وأنكِ خطئي الذي يتكرر في الساعة

ستين مرّة.

*

 الإمبراطورةُ حبيبتي

لم أعد أستطيع النظر إليها من فرطِ الحبّ

لم أعد أستطيع أن أحدّثها من فرطِ الصدفة

لم أعد أستطيع أن أشير اليها

أو إلى نونها من فرطِ البهجة

وهكذا يصغرُ لديّ العالم شيئاً فشيئاً

حتّى يكتمل ضياعي ويبدأ موتي السعيد.

*

 أرجوكِ

أسرعي في قتلي..

فنزفُ الحروفِ يومياً

يصيبُ قلبي بفقرِ الدم.

 *

 أيتها الإمبراطورة

أنا الصعلوك الذي سيقود كلّ لغات الأرض

ليتآمرعلى عرشكِ ويسرق كنوزه

وينسفه

ثم بهدوء يجلسُ بوّاباً

يحرسُ ممرّات العرش من العابثين!

*

 دمعتي حجر.

*

 مصيبتي أنني ألتقي بقاتلتي كلّ يوم

أتبسّم لها

مفتوناً بجمالها الغامض

وأعطيها السكين

لتذبحني من الوريدِ إلى الوريد

دون أن أتفوّه بكلمةٍ واحدة.

*

 دمي يسقط

وجسدي ينهارُ بهدوءٍ أسطوريّ

وروحي تتحوّلُ إلى رماد

لكنها تتماسك

كما يتماسكُ الحظّ السيء.

*

 موتي مناسبة طيبة

لأعزّي نفسي بهدوءٍ وصدق.

*

دمعتي إله.

*

سحقاً لك أيتها الضائعة

سحقاً لنونك

سحقاً لنقطتك.

*

 خيبتي فيكِ بحجمِ الطوفان.

*

 لكني لم أكن نوحاً

ولم تكن عندي سفينة

لذا طافَ جسدي فوق الماء 

طافَ وطافَ حتّى مللتُ من الطوفان.

*

 كم بكيت ُعلى هذا الجسد الغريق

بكيت

وبكيت

وبكيت

لكني لم أجد من يأبه لي

سوى رصاصة الرحمة

التي أطلقتها على رأسي حرفاً

قادني إلى النور

       وإلى الشمس

       وإلى الطمأنينة

       وإلى الموتِ العظيم.

*

 إلى الكاف

أذهبُ لاجئاً مستجيراً

فخذيني أيتها الكاف

وبددي موتي الدائم الوصول كزلزال

وبددي ذكرى طفولتي وأرجوحتها المهجورة

بأنوارك

وشمسكِ الكبرى

وإذا اقتضى الأمر بددي روحي

ولا تتركيني كالمشنوقِ الذي انقطع

الحبل به قبل الموت.

*

يا كافي 

بين يديكِ ألفي

بين يديكِ دمعتي وشمس روحي

فارحميني

ولتكنْ رحمتك

أربعةً من الطير يأتين سعياً

وبحراً ينشقّ فأدفن فيه همومي

وعرشاً تضيء فيه كماناتُ دمي وطبولُ طفولتي

وقمراً يجلسُ بين حواجبي وظنوني.

*

 أموتُ ومعي حرفي

وأبعثُ من الموت

ومعي حرفي.

*

دمعتي عبث!

*

ليس غريباً أن أبتهل إلى نقطةِ الحرف

وأجلس قبالتها مذهولاً في مسرّاتها

ومجيئها من الشرقِ إلى الغرب

محملةً بالدفوف والدموع والطبول

ليس غريباً، بعد هذا، أن أبتهل إلى الهلال

وأدعوه لينقذني من نفسي.

*

 ما أن تراكِ الأبجدية

حتّى تنفض عن ثيابها

النومَ والنسيانَ واللامبالاة

لتأخذ من كفّكِ شمسَ الحنان

       وينبوعَ الصحو

       وإناءَ الانتباه

       وملعقة َالحبّ

       وملحَ الطمأنينة.

 *

انظري الآن يا حبيبتي

إنّ في الحرفِ لسحراً

يطوّقك فلا مهرب عنه

إلاّ إلى الضياع.

أنا أنتظرُ أن تضيعي

وتذوبي

وتمّحي

لأدفن جسدكِ البضّ في شمسٍ من الحروف.

*

 واأسفاه

أنتِ فرح متكلس

وأنا جنون ينبض.

*

 واأسفاه

كيف مزّقتِ – بهذه البساطة - جغرافيا الجسد؟

وألقيتِ القبض على جغرافيا الموت؟

*

 ها أنذا أنتظرُ من الحروفِ أن تهبط لي

بشلالاتِ شمسكِ

وأنهارِ ربيعكِ

وجداول شوقكِ

وقطراتِ وعودكِ

وذرّاتِ اشاراتكِ

ونواةِ طمأنينتكِ

وإلى الآن فلا ملاذ لي سوى الحروف

وإلى أن أجد ملاذاً آخر 

فأنني أجلسُ أمامها

كما يجلسُ المجانين أمام الأنبياء.

*

 ها أنذا أقتربُ منكِ لأبتعد عنك

أصل إليكِ لأغادركِ كوميضِ البرق

فرحاً كغيمةٍ... محزوناً كبحرٍ ميت

لكنكِ في طلاسم جسدي أبداً

مرآة حبّ كبيرة تتعرّى.

*

أيّ سحر هذا؟

إنّ حرفكِ ليخلق اسمي من جديد يا حبيبتي

وأنا أضحكُ من هذا السحر

كطفلٍ يرى المطرَ أول مرّة.

*

 الحرفُ هو الزلزال

وأنا أسكنُ الحرفَ يا زلزالي.

*

 ليس للعبتكِ نهاية

وليس لخيالكِ بدء

وأظن أنك ستنهين عبثكِ العظيم

بأن تطلقي عليَّ الرصاص

وأنا أضحكُ من الضحك.

*

 انظري:

الفراغ سيّد العرش ونحن عبيده.

*

انظري:

بخلكِ أسطورة

وكرمي سفينة من الخرافات.

*

 

واأسفاه

أيّةُ قصيدةٍ تبدأ بكِ تفضي إلى الموت!

*

 حزنكِ طير

وحزني تمساح.

*

أيتها الأسطورة الضائعة

هناك مؤتمر صاخب للأساطير

سيعقد قريباً في قلبي

فلبّي الدعوة أرجوك!

*

 أحبّكِ

كما يحبّ المجنونُ الأطفالَ الذين يرمونه بالحجارة.

*

صرتُ أرى نونكِ من غير نقطة

فأبكي.

*

 خرافاتكِ امتدّتْ وأصبحتْ بحراً

فدعوتُ الجغرافيين ليعطوه اسماً.

*

 ذات يوم

ستبكين أيتها الضائعة

على السنين الطويلة التي سفحتها

أمام جبل انتظارك.

*

 أجمل مافيكِ: أكاذيبك

التي لا تكفّ عن التجددِ والانبعاث.

*

تحبّينني بالسنسكريتية

وأحبّكِ بالعربية!

*

صرتِ تشاركينني مخاطبة الكاف

والبكاء بين يديها

والسجود العظيم في حضرتها الخضراء

فمتى ستشاركين دمي غربته

وحرفي محنته

وألفي انتحاره؟

*

 حبّكِ جرّاح

سيقتطع جزءاً من قلبي

وحين يعجز سيضع لي

شيئا ًمن السمّ أشربه فأموت.

*

 قررتُ أن أهجوك

فمدحتُ نفسي!

*

حبّكِ وباء أصابَ خلايا جسدي كلّها

فتساقطتْ كجبلٍ منهار.

*

 حبّكِ ناطحةُ سحاب

حلمتُ بها

وخططتُ لها وبنيتها طابوقةً طابوقة

وحين اكتمل البناءُ العظيم 

نسفتـُها من الأعماق.

*

طولكِ ابتهال

وعيناكِ جنّة.

*

 البارحة سقطَ عام جديد أمام داري

ففتحتُ البابَ مدهوشاً

وجمعتُ شظاياه

ثم صنعتُ منها تمثالاً لك.

*

في نونكِ سحر

وفي ألفي زلزال.

*

 متى ستمسح الكاف

نقطة َنونكِ من رأسي

كي يتوقف نزيفُ حرفي

فأنام؟

*

 حبّكِ يدعو لكلّ شيء

حتّى لعبادة الأصنام!

*

 معجزتي أنتِ

أنا الإله الميت!

*

 أعومُ في الفراغ:

أخرجُ من الفراغ

ملطّخاً بدمِ الفراغ

وأعود إليه مفتوناً بعذابه السريّ.

*

 لازلتُ – وقد عبرتُ أربعين موتاً –

طيراً لا يعرف الطيران

ولازلتُ – وقد عبرتُ أربعين بحراً –

شاطئاً يبحث عن سفينة.

 *

 (أحتاج اليكم)

صرخَ المغني من الأعماق

فتحوّلتُ إلى حاء وتاء وجيم.

وصرتُ كافاً بشوقي

في حضرةِ الكافِ الكبرى.

*

 كانت الباءُ جنة َعدن

لكنّ الشياطين أحاطوا ببوابتها

حتّى وجدوا منفذاً فاخترقوا نقطتها

وكسروا زجاجةَ روحي فرحين.

*

ماتَ حبّي قبل عشرين عاماً

ولم أزلْ إلى الآن أستقبل المعزّين.

*

أحببتُ – مثل كلّ مرّة – سيدةً ضائعة

حتّى أضيع أبداً في المجاهيل.

*

 الموتُ ذاكرة لا تذكرأحداً

حتّى تاء طفولتها الممزّقة.

*

 أين منا لقاءاتنا المشمسة؟

أين منا مصادفاتنا؟

أين منا نزواتنا؟

أين منا غيومنا التي كنا نركبها

قبل أن تلقينا الشياطين إلى الأرض؟

*

 أنتِ مَن تكونين

حتّى أشغل أنفاسي

وأشغل حروفي

وأشغل موتي بك؟

*

 وصلتُ إلى........

دون أن أمسك ذرّةً من أنفاسك.

*

موتكِ عنوان

وحياتي صندوق بريد محطّم بفراغه الوحشيّ.

*

 سقطتُ مثل كلّ مرّة

ووقعتُ فانكسر موتي

فرممته برغباتِ نقطتك.

*

 أيتها النون 

خذيني إلى الساحلِ أو إلى البحر

إلى الصمتِ أو إلى الكلام

إلى اللغةِ أو إلى الطمأنينة

خذيني 

فجلوسي في المابين

أفسدَ روحي

ومزّقَ حاءَ طفولتي المجنونة.

*

أيتها النون

أرسلتُ إليك الشين 

هل وصلتْ؟

وأرسلت إليك اللام  

فهل وصلتْ؟

*

 بعد جنوني بك

ليس هنالك من فرحٍ أنتظره

سوى الموت.

*

 سقطَ المغنّي على موسيقاه

فقامَ متعثراً لاعناً

وسقطتُ على حرفي

فقمتُ طائراً مذبوحاً

من الوريدِ إلى الوريد.

*

 قلبي الطيّب كدمعة 

والضائع كصحراء

قلبي الذي هو بحجم قبضة يدي اليسرى

كما يزعم الأطباء

أرسلَ لي برقيةَ عتابٍ قاسية

بسببِ قصص حبّي الفاشلة حتماً

وحين اعتذرتُ له بحروفيةٍ مطلقة

رفضَ اعتذاري

فقدمتُ له استقالتي

ومضيتُ في الطرقات

ضائعاً دون قلب.

*

 قلبي الذي يشبه طفلاً مشاكساً

قلبي الذي نسي حاءَ الحقد إلى الأبد

وتشبّث كمجنونٍ بحاءِ الحرية

أرسلَ لي برقيةً يسخر من فشلي النونيّ العظيم 

وحين قرأتها

ضحكتُ

وضحكتُ

وضحكتُ

ثم بكيت.

*

 قلبي الذي يشبه نهراً كفَّ عن الجريان

أرسلَ لي برقيةً أخرى منتصف الليل

قالَ فيها: كيف وصلَ الأمرُ معك؟

أيّ غدٍ ينتظرك؟

وقالَ: لِمَ لا تكون مجنوناً مثلي

         فتكفّ عن الجريان وسط الوديان

        كقرويّ يحملُ صرّةَ ملابسه الممزّقة؟

*

قلبي... يا قلبي 

خنتُ الباء فغدرتْ بي

والتجأتُ إلى الواو فبنتْ عليّ

طابوقَ الأزمنة الثقيل

وألقيتُ نفسي على النون عاشقاً

فذبحتني بسكين اللامبالاة

وألقتْ بي من عمارةِ النسيان

ذات الألف طابق

ولذا أعتذرُ إليكِ من كلّ شيء

وأعتذرُ إلى كلّ قطرةِ دمٍ فيك

يا قلبي 

أيها المغفّل العظيم!

*

 قلبي... أيها السيد الذي يتنقل

ما بين كهيعص وقاف وطسم

يا صاحب البوابة المنقوشة بالمحبّة

أرجوك

ادخلني في دارك

 فإن لم تدخلني   

فعند من أنام هذه الليلة؟

*

قلبي .. أيها النمر الجريح

الممتلىء بالحروف وهذياناتها،

جنّها، ونواميسها، وقواميسها

قلبي.. أيها النمر الحروفيّ الجريح

البارحة خفتُ عليك وأنتَ وسط البخور

ووسط الدخان

تستلهُم روحَ الماء

وآيات القاف

ومعجزات الجيم.

*

 قلبي

يا صنيعة الكاف

ورؤية الكاف

يا جرح النون ونقطة الظنون

يا ندبة الباء ورماد الأزمنة

قلبي

يا معجزة القاف

بل يا اعتذار القاف بماهو مكتوب

في اللوحِ المحفوظ

قلبي

يا موسيقاي المتشظّية

وكفاحي المقطوع اليدين

قلبي

يا جنوني المتّزن

وأساطيري المحفوظة

في جيوبِ طفولتي المتهرئة

أعتذرُ إليك 

ثانية وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة وسابعة

حتّى تكتمل بي سمفونية الاعتذار

ويكفّ الاعتذار نفسه عن الاعتذار!

*

 ليس مهماً كيف سينتهي حبّكِ

فلقد أحببتكِ

هل ستسلمينني إلى الثعلبِ أم إلى الذئب

    إلى الفراتِ أم إلى الصحراء الكبرى

    إلى المشنقةِ أم إلى العرش  

ليس مهماً

فلقد أحببتكِ... وكفى!

*

 أكثر ما أخشاه يا نوني

أن تكوني باءً مقلوبة

أو دالاً تنكّر لها الجميع.

*

من الموتِ إلى الحبّ

ومن الحبّ إلى الموت

صرتُ أركبُ حرفي من محطّة قلبي.

*

 في شمسكِ يحيا القلب

بعد أن دمرّه الثلج

وصيحاتُ اليأس.

*

 مخيلتي العجيبة التي تنبأتْ بسقوط الدول

واهتزازِ العروشِ وانكسارِ الريحِ وتمزّقِ الأساطير

لا تستطيع اليوم أن تتنبأ بنهايةِ حبّك.

*

حين اتصلتُ بكِ البارحة بالهاتف

عجبتُ: فمن أعطاكِ سلطةَ إحياء الموتى

            وقتل الأحياء؟

*

 أيتها الكاف 

... شيئا ًمن رحمتكِ التي وسعتْ كلّ شيء

تنزلينها أمطاراً على صحارى النون

علّها تخضرُّ فتخرجُ قمحَ الألف.

*

 

سأمتدحكِ، أيتها النون، أمام عمارات حبّك

سأرثيكِ أمام خرائب حبّك

سأهجوكِ أمام مشنقة حبّك

وسأطريكِ أمام عرش حبّك

حتّى أموت أو يأذن لي حبّك.

*

 من المخيف أن أحبّكِ كما أحبّك

أيتها النون المليئة بالمجاهيل.

*

 خرج لي الماضي، أمامكِ، أيتها النون

فقررتُ أن أنسفه

حتّى تكون حياتي جديرةً بك

نظيفةً، طرّيةً، دون أدغال.

*

 من أول شروط حبّكِ: المشي على الجمر

وقد مشيتُ...

ولكنْ على حروفٍ من الجمر.

*

 أنتِ في عيني

وفي نور عيني

في الأولى حبيبة

وفي الثانية نون

فإذا جمعتهما وصلت القصيدةُ إلى الذروة.

*

 مئات القصائد كتبتها قبل أن تقولي: أحبّكَ

ما الذي سأفعله، إذن، لو نطقتِ بهذه الأسطورة

ذات يوم؟

*

 رمشكِ لم يكن رقيقاً

رغم فتنته الطاغية

كان عذاباً مضافاً لطفولتي المعذّبة.

*

 أنتِ بريئة من كلّ تهمة ملصقة بك

لا.. لستِ قاسية الحرف

ولستِ حجرية القلب

ولستِ ضائعة في الأزمنة والممرات

أنا المتهم..

وينبغي، لمن يهمه الأمر، أن يحاكمني

بدعوى حبّ امراة  قاسية الحرف، حجرية القلب 

ضائعة في الأزمنة والممرّات!

*

 الشتاء انقضى..

والأغنيةُ انقضت..

ضاعَ مني ما ضاع

وبقيتِ أنتِ غيمة تتلبّسني

كما تتلبّس الدمعةُ قلبَ المحكوم عليه بالإعدام.

*

 ما جدوى أن أكتب عنك

 أو إليك

 أو حولك

لا أنتِ تكتبين ما أكتب

ولا أنا آبه لما تكتبين

ومع ذلك،

فإنّ الكلمات تنسلّ من بين أصابعي

حين أتذكّركِ